أبو غزالة تتساءل: هل المساواة أن تترأس المرأة الجاهة أيضاً؟

التاج الإخباري -

بقلم:  الوزيرة والعين السابقة د. هيفاء ابوغزالة.
بعد أن ترأست السيدة إنصاف الخوالدة جاهة عشائرية، ها هي السيدة ميادة شريم تترأس جاهة أخرى، ليعود النقاش من جديد: هل نحن أمام تطور طبيعي في حضور المرأة الأردنية، أم أمام محاولة جديدة لنقل مفهوم المساواة إلى مساحة لم تكن في الأصل وظيفة ولا منصباً ولا حقاً وظيفياً حُرمت منه المرأة؟
أنا مع المرأة، ومع حقها الكامل في أن تصل إلى كل موقع تستحقه، وأن تكون شريكة في صناعة القرار وفي الاقتصاد والسياسة والإدارة والعلم والثقافة. لكنني في الوقت نفسه أعتقد أن علينا أن نميز بين الحقوق التي حُرمت منها المرأة، والأعراف التي تشكلت تاريخياً داخل المجتمع.
فالجاهة العشائرية ليست وظيفة عامة كانت قوانين الدولة تمنع المرأة من شغلها، وليست منصباً سياسياً أُقصيت عنه، ولا حقاً مدنياً كان حكراً على الرجال. إنها عرف اجتماعي أردني متوارث، نشأ ضمن منظومة عشائرية كانت توزع الأدوار بين الرجال والنساء وفق طبيعة المجتمع في ذلك الزمن. وكان تصدّر الرجال للجاهات جزءاً من هذا التقليد، تماماً كما كانت للمرأة أدوار اجتماعية أخرى لا تقل أهمية أو تأثيراً.
ولهذا فإن ترؤس امرأة لجاهة ليس في حد ذاته مشكلة، ولا ينبغي أن يكون موضع رفض لمجرد أنها امرأة. فإذا كانت صاحبة مكانة واحترام وقبول اجتماعي، واختارها أصحاب الشأن لتتقدم الجاهة، فما الذي يمنع ذلك؟
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: لماذا نريد أن نقدّم كل انتقال للمرأة إلى مساحة اعتاد المجتمع أن يراها رجالية باعتباره انتصاراً جديداً للمساواة؟
المساواة لا تعني إلغاء الاختلاف، ولا تستوجب أن نعيد توزيع كل العادات والتقاليد مناصفة بين الرجال والنساء. وليست كل مساحة تصدرها الرجل عبر التاريخ دليلاً على إقصاء المرأة، كما أن دخول المرأة إليها ليس بالضرورة مؤشراً على تقدم المجتمع.
لقد خاضت المرأة معارك حقيقية من أجل التعليم والعمل والحقوق السياسية والمشاركة في صنع القرار والاستقلال الاقتصادي والحماية من التمييز، ولا تزال أمامها قضايا أكثر أهمية تستحق أن توجه إليها طاقتها وجهدها. لذلك أخشى أن يتحول مفهوم تمكين المرأة، من حيث لا نشعر، من معركة من أجل الحقوق والفرص والتأثير إلى سباق رمزي حول من يجلس في صدر المجلس ومن يتقدم الجاهة ومن يؤدي دوراً اعتاد المجتمع أن يؤديه الرجل.
ولنسأل بصراحة: هل كانت المرأة الأردنية تنتظر أن تترأس جاهة حتى يكتمل حضورها في المجتمع؟
لقد كانت المرأة الأردنية وزيرة وسفيرة وقاضية ونائباً وعيناً وأستاذة جامعية وطبيبة وعالمة وسيدة أعمال، وأسهمت في بناء الدولة والمجتمع. فهل يصبح تصدرها لجاهة عشائرية محطة مفصلية في مسيرة تمكينها؟
ربما يكون الأهم اليوم أن نعيد تعريف المساواة نفسها.
المساواة ليست أن تصبح المرأة نسخة من الرجل، ولا أن تدخل كل مساحة دخلها، ولا أن تمارس كل دور مارسه حتى نقول إنها حصلت على حقوقها. المساواة الحقيقية أن تكون أمامها الأبواب مفتوحة، وأن يكون الاختيار لها، وأن تُقاس بكفاءتها وقيمتها وأثرها، لا بجنسها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن نتعامل مع كل عرف اجتماعي قديم باعتباره خصماً للمرأة يجب إسقاطه. فالمجتمعات لا تتكون من القوانين وحدها؛ لها ذاكرتها ورموزها وطقوسها وتقاليدها، وبعض هذه التقاليد يتغير تلقائياً مع الزمن، وبعضها يستمر لأنه جزء من الهوية الاجتماعية، وليس لأنه أداة للتمييز.
إن ترؤس امرأة لجاهة يمكن أن يكون حدثاً اجتماعياً طبيعياً، ونحترم المرأة التي تقوم به ونحترم من اختارها. لكنني لا أراه معركة جديدة يجب أن تضاف إلى سجل معارك المرأة من أجل المساواة.
فالقضية ليست: هل تستطيع المرأة أن تترأس الجاهة؟ نعم، تستطيع.
القضية الأهم هي: هل تحتاج المرأة إلى أن تترأس الجاهة كي تثبت أنها مساوية للرجل؟
وأعتقد أن الإجابة هي: لا.
فالمرأة التي أثبتت حضورها في مواقع صنع القرار والعلم والعمل والقيادة لا تحتاج إلى البحث في دفاتر العادات القديمة عن مقعد كان يجلس عليه الرجل لتجلس مكانه.
المرأة لا تحتاج إلى أن تأخذ مكان الرجل كي تثبت مكانتها؛ إنها تحتاج إلى أن تصنع مكانها، وأن يكون أثرها هو الذي يتحدث عنها .



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى