"ترند" العبوات الفارغة .. إبداع قديم صنعته الأمهات والجدات

التاج الإخباري -

واجه الترند الجديد حالة من التندر وإطلاق التعليقات حول سيدات من دول أوروبية يتفنن في إعادة تدوير العبوات الزجاجية واستخدامها في المطبخ أو المنزل بشكل عام، وكأنها فكرة جديدة في المجتمع، في حين أنها عادة متوارثة منذ عقود في البيت العربي.


وهذا ما دفع إلى هذا التندر، إذ تحدثت مئات الآلاف من التعليقات، في العالم العربي تحديدا، عن إعادة استخدام تلك العبوات وغيرها من أدوات المنزل منذ عقود طويلة، وأن السيدة والجدة والأم العربية كن قادرات على ابتكار عشرات طرق إعادة التدوير. والآن بات في دول أوروبا ترند تتسابق فيه السيدات إلى تصوير طرق إعادة تدوير العبوات بطرق قد تكون مكلفة وفيها نوع من المبالغة.
وفي الوقت الذي تبدو فيه إعادة الاستخدام اليوم وكأنها ترند حديث انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، فإن الفكرة في مجتمعاتنا ليست جديدة بل كانت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية وموروثا توارثته الأمهات والجدات.
وكانت الأمهات يجدن استخدامات جديدة للأشياء التي تنتهي وظيفتها الأصلية، فيعاد استخدام العلب المعدنية، مثل علب السمنة والزبدة لحفظ مواد وأدوات مختلفة، كما كانت الأكياس الفارغة وعلب الشوكولاتة والبسكويت تجد طريقها إلى استخدام آخر بدلا من التخلص منها.
ثقافة تقوم على الاقتصاد وحسن التدبير وعدم الهدر
ولم تقتصر إعادة الاستخدام على العبوات، بل امتدت إلى الأقمشة والملابس القديمة التي كانت تُقص وتجمع لتتحول إلى أغطية أو شراشف خفيفة أو قطع منزلية أخرى، حيث كانت تعكس ثقافة تقوم على الاقتصاد وحسن التدبير وعدم الهدر، لكنها في الوقت نفسه تركت تفاصيل وذكريات ارتبطت ببيوت الأمهات والجدات.

بيد أن ذلك أصبح اليوم يأتي تحت عناوين عدة في مواقع التواصل الاجتماعي، مثل "إعادة الاستخدام" و"إعطاء الأشياء حياة ثانية"، ويحمل في جانب منه ملامح قديمة من حياتنا اليومية. ولم تكن تسمى آنذاك "استدامة" أو "إعادة تدوير"، لكنها كانت ببساطة جزءا من ثقافة البيت وذاكرة الأجيال.
لم يعد مرطبان القهوة الفارغ يعني بالضرورة نهاية رحلته إلى حاوية النفايات، فصور ومقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي تعرض طرقا مبتكرة لمنحه "حياة ثانية"، على حد تعبيرهم، بتحويله إلى حافظة للتوابل أو المواد الغذائية أو مزهرية لزرع النباتات الصغيرة، أو حافظة للأدوات، أو حتى قطعة ديكور منزلية. وزاد من الحديث عنها انتشار مقاطع "قبل وبعد" على إنستغرام وتيك توك أيضا.
هذا الترند دفع إحدى العلامات التجارية لنوع شهير من القهوة إلى استغلال ذلك للتسويق الذاتي، وذلك من خلال عرضها على مواقعها أفكارا لإعادة استخدام المرطبانات الفارغة، من بينها استخدامها في تخزين الأرز والمعكرونة والأدوات المنزلية، وتحويلها إلى مزهريات أو استخدامها في مشاريع منزلية إبداعية قبل اللجوء إلى إعادة تدويرها.
ولم يمر انتشار أفكار إعادة استخدام مرطبانات القهوة والعبوات المنزلية على منصات التواصل الاجتماعي من دون أن يستدعي لدى بعض المتابعين ذكريات وممارسات منزلية قديمة، إذ رأت جوانا محمد أن ما يقدم اليوم باعتباره ترندا جديدا في إعادة التدوير وإعادة الاستخدام، يشبه إلى حد كبير عادات كانت حاضرة في البيوت العربية منذ سنوات

أفكار من الذاكرة المنزلية
وأشارت إلى استخدام مرطبانات الزجاج لحفظ البقوليات والمونة، وعلب حليب البودرة للزراعة وعلب البسكويت كعلب للخياطة، إلى جانب إعادة استخدام عبوات الحليب الزجاجية وقناني المشروبات، وحتى تحويل الملابس القديمة إلى مماسح، معتبرة أن "كل شيء تقريبا يعاد تدويره عندنا".
بيد أن حسن فراس يتساءل عما إذا كان التركيز على مرطبانات علامة تجارية بعينها جزءا من إستراتيجية تسويقية للقهوة أو للعلامة التجارية، ويقول: "التركيز على العبوة بطريقة تبدو عفوية قد يكون مقصودا"، مضيفا أن أصحاب الفكرة أذكياء جدا في جعلها ترندا.
وهو ما يعكس جانبا آخر من النقاش حول هذا النوع من المحتوى، يتمثل في الحدود بين المبادرات البيئية الحقيقية والمحتوى التسويقي الذي يستفيد من انتشار الترندات على منصات التواصل الاجتماعي.
أما نورا صالح، فأعادت الفكرة إلى الذاكرة المنزلية، معتبرة أن الاحتفاظ بعبوات الشاي والقهوة والنسكافيه والتوابل واستخدامها مجددا ليس جديدا، بل ممارسة عرفتها الأجيال السابقة وما تزال مستمرة حتى اليوم في إشارة إلى ما يمكن وصفه بـ"ثقافة عدم رمي الأشياء" والتي كانت أكثر حضورا في البيوت قبل انتشار أنماط الاستهلاك السريع.
ويجمع هذا النوع من المحتوى بين عدة عناصر تحظى بشعبية على منصات التواصل، من التوفير والابتكار والتنظيم والعمل اليدوي، إلى الاهتمام بالبيئة. كما أن فكرة "قبل وبعد" تمنح المستخدم نتيجة بصرية واضحة، ما يجعلها مناسبة لطبيعة المحتوى القصير، ويشجع آخرين على تجربة الفكرة وتصويرها بدورهم.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى