التلفزيون الأردني .. شاشةٌ صنعت ذاكرة أجيال

التاج الإخباري -

بقلم: همام الفريحات.

من يطرح الحديث عن خصخصة التلفزيون الأردني، عليه أن يتذكر أن هذه ليست مجرد شاشة يمكن التعامل معها بمنطق السوق والربح والخسارة؛ فالتلفزيون الأردني جزء من ذاكرة الدولة، وصوتٌ رافق الأردنيين لعقود، وحكاية وطن شاهدها أكثر من جيل.

كان الأطفال يستيقظون منذ السادسة صباحاً، لا للمدرسة فقط، بل ليبدأ يومهم مع السلام الملكي الأردني؛ مشهدٌ بسيط، لكنه ترك أثراً عميقاً في وجدان أجيال كاملة. وبعده كانت تنطلق البرامج والأغاني الوطنية، فتملأ البيوت بصوت الأردن، وتمنح الشاشة حضوراً يتجاوز الإعلام إلى الانتماء.

وكان التلفزيون الأردني بيتاً للأغنية الوطنية، ومنبراً للدراما والبرامج والثقافة والرياضة، وشاهداً على مناسبات الأردن وأحداثه. وفي زمن لم تكن فيه مئات القنوات ولا الهواتف الذكية ومنصات التواصل، كانت العائلة تجتمع حول شاشة واحدة، وكان للتلفزيون الأردني حضوره وهيبته ومكانته.

ومن منا ينسى الوجوه التي صنعت جزءاً من هذه الذاكرة؟ إيمان ظاظا، عساف الشوبكي، غالب الحديدي، عدنان الزعبي، إخلاص يخلف العبادي، أسيل الخريشا، نبيل كفاوين، إيمان الطوالبة، ولطفي زعبي، وغيرهم من الأسماء التي أصبحت أصواتاً مألوفة في بيوت الأردنيين، وارتبطت بسنوات وأحداث وذكريات لا تُنسى.

لهذا، فإن التلفزيون الأردني يستحق اليوم الدعم والتطوير والتمكين، لا أن يكون الحديث عنه محصوراً في فكرة الخصخصة. نحن بحاجة إلى أن نعيد لهذه الشاشة الوطنية بريقها، وأن نمنحها كل الأدوات التي تجعلها قادرة على المنافسة في زمن الإعلام الرقمي، مع الحفاظ على هويتها الأردنية ورسالتها الوطنية.

نريد تلفزيوناً أردنياً قوياً، حاضراً على الهاتف كما كان حاضراً في غرفة الجلوس، قادراً على الوصول إلى الشباب، وصناعة محتوى حديث، وإحياء الدراما والأغنية الوطنية، وتوثيق ذاكرة الأردن للأجيال القادمة.

فالاستثمار في التلفزيون الأردني هو استثمار في الذاكرة الوطنية، وتقويته ليست مسؤولية مؤسسة وحدها، بل مسؤولية وطن يريد أن يحافظ على صوته وصورته وحكايته.

قد تتغير التكنولوجيا، وتتغير طريقة مشاهدة الناس للتلفزيون، لكن الحاجة إلى إعلام وطني قوي لا تتغير.

لا نريد أن نفقد شاشةً صنعت ذكرياتنا؛ نريد أن نراها أقوى، وأكثر حضوراً، وأكثر تأثيراً.

التلفزيون الأردني ليس مجرد قناة من الماضي؛ إنه صوت الأردن، وذاكرته، وصورته، وهيبته التي يجب أن تنتقل من جيل إلى جيل.

التلفزيون الأردني... عندما كانت الشاشة هيبة، والسلام الملكي بداية الصباح، والأغنية وطن، والذكريات قصة تُروى للأجيال.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى