نقابة الأطباء : الخلط بين الخطأ والمضاعفة الطبية يضر بالسياحة العلاجية في الأردن
التاج الإخباري -
أكد الدكتور محمد حسن الطراونة، رئيس لجنة الشكاوى في نقابة الأطباء، أن مواكبة التحديثات المستمرة في الأدلة والإرشادات الطبية (Clinical Guidelines) تمثل ركيزة أساسية للممارسة الطبية الآمنة والمستندة إلى الدليل العلمي.وأوضح الطراونة أن من الأخطاء الشائعة في التعامل مع التوصيات الإرشادية اعتبارها نصوصًا نهائية لا تتغير، مشيرًا إلى أن صدور نسخة جديدة تختلف عن السابقة قد يدفع البعض إلى تفسير ذلك على أنه «تخبط» أو تناقض في الطب، بينما الحقيقة أن الـGuideline ليست الحقيقة ذاتها، وإنما أفضل ترجمة عملية للأدلة المتاحة وقت إصدارها.
وبيّن أن الإرشادات الطبية قابلة للتعديل عند ظهور أدلة جديدة، كما أن قوة التوصية تعتمد على جودة الدليل، وحجم الفائدة، والأضرار المحتملة، وقابلية تطبيق النتائج على المرضى الحقيقيين.
وأشار الطراونة إلى أن الطبيب لا ينبغي أن يحفظ التوصية، بل أن يفهم سبب وضعها، موضحًا أن هناك فرقًا بين أن يقول الطبيب «الـGuideline تقول ذلك»، وبين أن يعرف لماذا تقول ذلك.
وأضاف أن التوصية القوية المبنية على أدلة متماسكة تختلف تمامًا عن توصية أضعف تستند إلى بيانات محدودة، لافتًا إلى أن قوة التوصية لا تعكس جودة الدراسات فقط، وإنما أيضًا مقدار الفائدة المتوقعة مقارنة بالضرر، ومدى اتساق النتائج وقابليتها للتطبيق.
وأكد أن قراءة الـGuideline دون فهم الدليل الذي قامت عليه تشبه قراءة النتيجة دون معرفة كيفية الوصول إليها.
وبيّن رئيس لجنة الشكاوى أن من الأمثلة المهمة على تغير قوة التوصية استخدام حاصرات بيتا (Beta-blockers) لدى المرضى المصابين بعجز القلب مع انخفاض الكسر القذفي (HFrEF) والمترافق مع الرجفان الأذيني (Atrial Fibrillation).
وأوضح أنه في التوصيات السابقة كان هذا الاستخدام يحمل تصنيف Class IIa، أي أن فائدته كانت مرجحة ويمكن أخذه في الاعتبار وفق السياق السريري، بينما أصبحت التوصية في توصيات 2026 من Class I في هذه الفئة من المرضى.
وأكد أن هذا التغير لا ينبغي قراءته باعتباره تناقضًا بين إصدارين من الـGuideline، فالدواء لم يتغير فجأة، وإنما تغيرت قوة الاستدلال على فائدته في سياق سريري محدد.
وأشار إلى أن أهمية قراءة الـGuideline بصورة تحليلية تكمن في أن العلاج نفسه قد يكون موجودًا في النسختين، لكن انتقاله من IIa إلى I يعني أن لجنة التوصيات أصبحت ترى أن الدليل والفائدة المتوقعة يبرران التوصية به بدرجة أقوى.
وأضاف أن السؤال الصحيح لا ينبغي أن يكون: «كيف كانوا يقولون IIa وأصبح الآن I؟»، وإنما: «ما الأدلة الجديدة التي جعلت ميزان الفائدة مقابل الضرر أكثر وضوحًا؟».
تطور التوصيات بشأن الديجوكسين
وأضاف الدكتور الطراونة أن الديجوكسين (Digoxin) يقدم مثالًا آخر على تطور التوصيات الطبية.
وأوضح أنه في توصيات ESC السابقة كان استخدام الديجوكسين لدى مرضى HFrEF محدودًا ومصنفًا ضمن التوصيات ذات القوة الأضعف، بعد استنفاد العلاج الأساسي، ويرتبط ذلك بتاريخ طويل من الأدلة التي أظهرت فوائد محدودة، إلى جانب المخاوف المعروفة من السمية وضيق المجال العلاجي.
وأشار إلى أن الصورة العلمية بدأت تتغير مع ظهور بيانات أحدث، إذ أظهرت تجربة DIGIT-HF المنشورة عام 2025 فائدة سريرية للديجيتوكسين (Digitoxin)، وهو دواء من الغليكوسيدات القلبية، لدى مرضى عجز القلب مع انخفاض الكسر القذفي، مع انخفاض في نقطة النهاية المركبة للوفاة أو الدخول الأول إلى المستشفى بسبب تفاقم عجز القلب.
كما قدمت دراسة DECISION المنشورة عام 2026 بيانات إضافية حول استخدام الديجوكسين بجرعات منخفضة وتركيزات مصلية منخفضة، مع ملف أمان أكثر قبولًا لدى المرضى المختارين.
وبناءً على تراكم هذه الأدلة، أصبح الديجوكسين في توصيات ESC 2026 ضمن Additional Medical Therapy، وارتفعت قوة التوصية به في سياقات محددة من Class IIb إلى Class IIa.
وأكد الطراونة أن التوصية الجديدة لا تعني أن الديجوكسين أصبح دواءً أساسيًا لجميع مرضى HFrEF، ولا تعني أن مخاطر السمية اختفت، وإنما تعني أن ميزان الأدلة أصبح أكثر دعمًا لاستخدامه لدى مرضى مختارين وتحت شروط مناسبة.
وقال إن هذا هو ما ينبغي أن يتوقعه الطبيب من الـGuideline؛ فعندما تتغير الأدلة، تتغير درجة التوصية.
الخبرة الطبية لا تغني عن الدليل العلمي
وحذر الطراونة من الأخطاء المنهجية، مثل أن يقول الطبيب: «أنا كنت أستخدم هذا العلاج منذ سنوات، والـGuideline الجديدة قالت الشيء نفسه، إذن كنت على حق طوال الوقت».
وأوضح أن الأمر ليس بهذه البساطة، فقد تكون الممارسة صحيحة، لكن الوصول إلى النتيجة بالحدس أو الخبرة الشخصية لا يساوي الوصول إليها من خلال تجربة عشوائية محكمة.
وأشار إلى أن الخبرة السريرية مهمة، لكنها معرضة لانحيازات الذاكرة والانتقاء والتأكيد، بينما توفر التجارب المحكمة طريقة أكثر صرامة لاختبار الفرضية ومقارنتها ببديل، وبالتالي فإن المصادفة في الوصول إلى القرار الصحيح لا تجعل طريقة التفكير علمية دائمًا.
ماذا يفعل الطبيب عند مخالفة الإرشادات؟
وحول التصرف عند مخالفة الإرشادات، أوضح الطراونة أن أهمية الطبيب الناضج علميًا تظهر في هذه الحالة؛ فإذا ظهرت دراسة قوية بعد نشر الـGuideline، فلا ينبغي تجاهلها لمجرد أنها لم تدخل بعد في النسخة الرسمية.
وفي المقابل، لا يجوز استخدام دراسة واحدة ضعيفة لإلغاء توصية تراكم خلفها عدد كبير من الأدلة.
وقال إن القاعدة ليست «اتبع الـGuideline دائمًا»، وليست «أنا أثق بخبرتي أكثر من الـGuideline»، وإنما «قيّم الدليل، وافهم قوة التوصية، ثم طبّقها على المريض الذي أمامك».
وأكد أن الـGuideline نفسها ليست بديلًا عن التفكير السريري، وإنما إطار يساعد الطبيب على التفكير بصورة أكثر اتساقًا وأقل عرضة للأخطاء المعرفية.
تغير التوصيات لا يعني الاعتراف بالخطأ
وشدد الدكتور الطراونة على أن التغير في التوصية ليس اعترافًا بالخطأ، مؤكدًا أن انتقال توصية من IIb إلى IIa، أو من IIa إلى I، لا يعني بالضرورة أن الأطباء الذين اتبعوا التوصية السابقة كانوا يمارسون طبًا خاطئًا، بل يعني أن درجة اليقين العلمي تغيرت.
وأوضح أن التوصيات الطبية تشبه خريطة تُحدّث باستمرار؛ فإذا اكتُشفت منطقة جديدة، أو أصبح الطريق أكثر وضوحًا، تتغير الخريطة، ولا يعني ذلك أن الخريطة القديمة كانت «كذبة»، وإنما كانت تمثل المعلومات المتاحة عندما رُسمت.
وأشار إلى أن الطبيب الذي يفهم فلسفة الطب المبني على الدليل لا يشعر بالارتباك عندما تتغير التوصيات، بل يسأل مباشرة: «ما الذي تغير في الأدلة؟»، معتبرًا أن هذا السؤال أهم بكثير من السؤال: «من كان على حق؟».
الفرق بين الخطأ والمضاعفة الطبية
وفي إطار موقعه كرئيس لجنة الشكاوى في نقابة الأطباء، حرص الدكتور الطراونة على توضيح الفرق بين الخطأ الطبي والمضاعفة الطبية.
وأوضح أن الخطأ الطبي هو كل تقصير أو إهمال أو انحراف عن القواعد والأصول الطبية المستقرة والمتعارف عليها علميًا، والتي لا يتصرف بموجبها الطبيب الحريص ومتوسط الخبرة، مما يترتب عليه مسؤولية قانونية ومسلكية متى ثبت التقصير.
أما المضاعفة الطبية، فهي عرض جانبي أو نتيجة غير مرغوبة قد تحدث أثناء أو بعد الإجراء الطبي، رغم التزام الطبيب الكامل بجميع البروتوكولات المعتمدة واتخاذه جميع الاحتياطات الوقائية اللازمة.
وبيّن أن هذه النتائج مدونة ومثبتة طبيًا، وقد تحدث بنسب معينة حتى مع أعلى معايير الجودة ورعاية المريض، وبالتالي لا تترتب عليها مسؤولية تقصيرية طالما ثبت التزام الممارس المهني وأخذه الموافقة المستنيرة.
الخلط بين الخطأ والمضاعفة يضر بالسياحة العلاجية
واختتم الدكتور محمد حسن الطراونة تصريحه بالتأكيد على أن الـGuidelines ليست نصوصًا مقدسة ولا آراء شخصية، وإنما محاولات علمية منظمة لتحويل أفضل الأدلة المتاحة إلى قرارات سريرية قابلة للتطبيق.
وأوضح أن التغير في التوصيات يجب ألا يُفهم باعتباره تخبطًا، بل باعتباره انعكاسًا لتغير قوة الأدلة وتقدير ميزان الفائدة والضرر.
وأكد أن الطبيب المتمكن لا يحفظ ما تقوله الـGuideline فقط، ولا يضع خبرته الشخصية في مواجهة الدليل، بل يفهم لماذا تغيرت التوصية، وما الدليل الذي أدى إلى تغيرها، وما إذا كان ينطبق على المريض الذي أمامه.
وقال إن جوهر الطب المبني على الدليل ليس أن تكون التوصيات ثابتة، وإنما أن تكون قابلة للتصحيح كلما أصبح العلم أكثر وضوحًا.
وأكد أن لجنة الشكاوى تستند دائمًا في عملها إلى تقييم مدى الالتزام بالبروتوكولات المعيارية للتمييز العادل والمنصف بين الإهمال القابل للمساءلة والمضاعفات المقبولة طبيًا، مشيرًا إلى أن الخلط بين الخطأ الطبي والمضاعفة الطبية ونشر ذلك عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يضر بالسياحة العلاجية في الأردن.
الرجاء الانتظار ...