مأساة الطفل إلياس .. من يتحمل مسؤولية نسيانه داخل حافلة الروضة؟
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.خبير قانوني لـ "التاج" : الإهمال قد يرتب مسؤولية جزائية في وفاة الطفل إلياس
لم تكن حادثة وفاة الطفل إلياس، البالغ من العمر خمس سنوات، مجرد خبر مرّ على الأردنيين خلال اليومين الماضيين، بل تحولت إلى قضية شغلت الشارع العام، وأثارت حالة من الحزن والغضب والتساؤلات حول ما حدث، وكيف يمكن لطفل في هذا العمر أن يبقى لساعات داخل حافلة روضة مغلقة دون أن ينتبه إليه أحد!
الطفل إلياس ذهب إلى روضته صباح الخميس الماضي كالمعتاد، وسلمته والدته إلى حافلة الروضة التي كانت تقودها سيدة، لتبدأ بعدها تفاصيل لم تكن الأسرة تتوقع أن تنتهي بهذه المأساة.
ومع حلول موعد عودة الطفل، بدأت الأسرة تتساءل عن سبب عدم نزوله إلى صفه، فتواصلت مع سائقة الحافلة للاستفسار عن الأمر، وبعد نحو 10 دقائق، عادت السائقة وأبلغت الأسرة بأنها عثرت على الطفل داخل الحافلة.
توجهت الأسرة على الفور إلى المستشفى، لكن إلياس كان قد فارق الحياة، فيما أُبلغت الأسرة بأن الوفاة نجمت عن تعرضه لصدمة حرارية، إثر بقائه داخل الحافلة المغلقة لنحو أربع ساعات تحت أشعة الشمس، وفق ما ورد إليها.
وبين حالة الحزن التي خلفتها الحادثة، يتبادر إلى الاذهان سؤال آخر لا يقل أهمية: من يتحمل المسؤولية القانونية عن وفاة الطفل؟ هل تقع المسؤولية على سائقة الحافلة باعتبارها المسؤولة عن نقل الأطفال والتأكد من نزولهم، أم تمتد إلى المدرسة والمعلمات والجهات الأخرى ذات العلاقة؟
وفي هذا السياق، أوضح أستاذ القانون الدستوري د. ليث نصراوين أن تحديد المسؤولية الجزائية بصورة نهائية يبقى من اختصاص النيابة العامة والمحكمة المختصة، في ضوء ما ستسفر عنه التحقيقات من وقائع وأدلة، وبخاصة تقرير الطب الشرعي ومدى ثبوت العلاقة السببية بين الإهمال الذي وقع والوفاة.
وأشار نصراوين خلال حديثه لـ "التاج الإخباري" إلى أن قانون العقوبات الأردني يعالج مثل هذه الحالات من حيث المبدأ في إطار الجرائم غير المقصودة، إذ نصت المادة (343) منه على أن "من سبب موت أحد عن إهمال أو قلة احتراز أو عن عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات".
واضاف بقوله: فإذا ثبت أن وفاة الطفل كانت نتيجة مباشرة لنسيانه داخل الحافلة وإغلاقها عليه، فإن الواقعة يمكن أن تشكل جريمة التسبب بالوفاة المنصوص عليها في المادة (343) من قانون العقوبات، متى ثبت الخطأ المتمثل في الإهمال أو قلة الاحتراز، وثبتت العلاقة السببية بين هذا الخطأ والوفاة.
ولا يتوقف الأمر، وفق هذا التقدير، عند مجرد وجود الطفل داخل الحافلة، وإنما يرتبط بالواجب المفترض على الشخص المسؤول عن نقل أطفال في مثل هذه الأعمار.
ويرى نصراوين أن الشخص الذي يتولى نقل أطفال في هذه السن يقع عليه واجب عناية مشدد تفرضه طبيعة المهمة التي يقوم بها، فلا يكفي أن تصل الحافلة إلى وجهتها، وإنما يتعين التأكد فعليًا من نزول جميع الأطفال وعدم بقاء أي طفل داخلها قبل مغادرتها وإغلاقها.
ومن هنا، فإن عدم القيام بهذا الإجراء الأساسي يمكن أن يشكل - متى ثبت - صورة واضحة من صور الإهمال وقلة الاحتراز التي يتحدث عنها قانون العقوبات.
كما قد تترتب، إلى جانب المسؤولية الجزائية، مسؤولية مدنية عن الأضرار الناجمة عن الوفاة، وفقًا للقواعد العامة في المسؤولية المدنية، فيما يرتبط تحديد الأشخاص الملزمين بالتعويض ونطاق مسؤولية كل منهم بثبوت الخطأ والضرر وعلاقة السببية.
فالأطفال في هذه الأعمار لا يستطيعون دائمًا التعبير عن احتياجاتهم أو إدراك المخاطر التي قد يتعرضون لها، وهو ما يجعل مسؤولية البالغين المحيطين بهم أكبر، ويجعل إجراءات السلامة والرقابة ضرورة وليست مجرد تفاصيل تنظيمية.
ومن هذا المنطلق، أكد نصراوين أهمية ألا تقتصر تداعيات الحادثة على البحث عن المسؤولية الفردية، وإنما أن تفتح الباب أمام مراجعة منظومة نقل الأطفال، ووضع إجراءات إلزامية تحول دون تكرار مثل هذه المأساة.
ومن أبرز الإجراءات التي أشار إليها: وجود سجل بأسماء الأطفال، والتأكد من نزول كل طفل، وإجراء فحص نهائي للحافلة قبل إغلاقها، إلى جانب تحديد شخص مسؤول بصورة واضحة عن تنفيذ هذه الإجراءات.
ولعل السؤال الذي يبقى حاضرًا أمام الجميع ليس فقط: من المسؤول؟ وإنما أيضًا: ماذا يمكن أن نفعل حتى لا تتكرر مأساة إلياس مع طفل آخر؟
الرجاء الانتظار ...