عباسي تكتب: أحيانًا… أن تحاول إثبات أنك الأفضل هو إهانة

التاج الإخباري -

بقلم: مجد عباسي.

هناك شكل من أشكال الإهانة لا يأتي من الآخرين، بل يأتي منك أنت. حين تقف أمام شخص لا يعرف قيمتك، وتبدأ في شرحها له. حين يقلل أحدهم منك، فتستدعي إنجازاتك للدفاع عن نفسك. حين يشكك أحدهم في قدرتك، فتفتح له خزائن حياتك لتريه كم أنت قادر. وحين يقول لك أحدهم: «أنت لست الأفضل»، فتشعر أن عليك أن تثبت له العكس. هنا تحديدًا تبدأ الإهانة. ليس لأنك أقل منه، بل لأنك قبلت أن تجعله قاضيًا عليك.

الإنسان الذي يعرف قيمته لا يعيش في حالة دفاع دائم عن نفسه؛ لأن الأشياء الراسخة لا تدافع عن وجودها. الجبل لا يصرخ في وجه السهل: «أنا أعلى منك»، والبحر لا يدخل في منافسة مع النهر ليُثبت أنه أعمق، والذهب لا يطارد النحاس في الأسواق ليشرح له الفرق بينهما. القيمة الحقيقية لا تتوسل الاعتراف. إنها موجودة، سواء امتلك الآخرون القدرة على رؤيتها أم لا. وهذه واحدة من أكثر الحقائق قسوة في الحياة: ليس مطلوبًا من العالم أن يفهم قيمتك، وليس كل من لم يرَ قيمتك أحمق؛ ربما هو فقط لا يملك الأدوات التي تسمح له برؤيتها. والأكثر غباءً أن تهدم هيبتك وأنت تحاول أن تشرح له ما لم يستطع أن يفهمه.

هناك فرق بين الثقة بالنفس وبين الحاجة إلى إثبات الذات. الثقة تقول: «أنا أعرف من أنا»، أما الحاجة إلى الإثبات فتقول: «أريدك أن تعرف من أنا». الأولى استقلال، والثانية تبعية. الأولى قوة، والثانية خوف متنكر. لذلك، كلما ازداد الإنسان نضجًا، قلّت حاجته إلى الشرح؛ ليس لأنه أصبح أقل قدرة على الكلام، بل لأنه أدرك أن بعض الناس لا يستحقون حتى النسخة المختصرة من الحقيقة.

أقسى أنواع القوة أن تستطيع الرد، ثم تختار ألا تفعل. ليس عجزًا ولا خوفًا، بل لأنك فهمت أن الدخول في بعض المعارك هو اعتراف ضمني بأن خصمك يساوي وقتك، وهذا وحده كافٍ ليكون خسارة. ليست كل معركة تحتاج إلى منتصر؛ بعض المعارك تحتاج فقط إلى شخص ذكي بما يكفي كي لا يدخلها. هناك أشخاص، إذا حاولوا استفزازك، لا تكن غاضبًا منهم؛ اشفق على حاجتهم لأن يروا أنفسهم أكبر منك. فالإنسان الواثق لا يحتاج إلى تصغير الآخرين كي يشعر بارتفاعه، أما من يقيس قامته على انحناء الآخرين، فهو في الحقيقة لا يعرف طوله.

والحياة، في النهاية، لا تكافئ أكثر الناس حديثًا عن أنفسهم؛ إنها تكشفهم. الزمن له طريقة باردة في فضح الادعاءات. قد تستطيع أن تقنع الناس لمدة سنة، وقد تستطيع أن تصنع صورة مثالية عن نفسك، وقد تستطيع أن تملأ الغرف بالكلام، لكن لا يمكنك أن تكذب على الزمن طويلًا. فالزمن لا يهتم بما قلته؛ يهتم بما بقي منك بعد أن انتهى الكلام. النتائج هي السيرة الذاتية التي لا تستطيع تزويرها. ولهذا لا تتعجل. دع الأيام تقوم بالعمل الذي تحاول أنت القيام به بالصراخ. دع إنجازك يتحدث، دع أخلاقك تتحدث، دع ثباتك يتحدث، ودع الأزمات تكشف معدنَك. ودع الآخرين يكتشفون، متأخرين، أنهم أخطأوا في تقديرك. فبعض الانتصارات تفقد قيمتها لحظة تضطر إلى شرحها.

وهناك شيء أكثر عمقًا: لماذا تريد أن تكون الأفضل أصلًا؟ الأفضل بالنسبة لمن؟ وبأي معيار؟ وفي أي ميدان؟ وإلى متى؟ قد تكون الأفضل في غرفة، ثم تدخل غرفة أخرى فتكتشف أنك مبتدئ. وقد تكون الأكثر ذكاءً بين مجموعة، ثم تلتقي بشخص يجعلك تعيد تعريف الذكاء. وقد تصل إلى قمة ظننت أنها نهاية الطريق، لتكتشف أنها مجرد بداية لجبل آخر. لهذا فإن فكرة «أنا الأفضل» نفسها قد تكون سجنًا؛ لأن من يعتقد أنه وصل يتوقف، أما من يعرف أن الطريق لا ينتهي فإنه يستمر. الغرور يقول: لقد وصلت. النضج يقول: ما زلت أتعلم.

والأشد قسوة أن بعض الناس لا يريدون منك أن تكون جيدًا؛ يريدون منك أن تكون أفضل منهم فقط. وهذا فرق خطير. لأنك حين تجعل حياتك مشروعًا للتفوق على الآخرين، فإنك تمنحهم مقود حياتك. نجاحك يصبح ردًا عليهم، وإنجازك يصبح انتقامًا منهم، وصمتك يصبح رسالة لهم، وحتى سعادتك تتحول إلى استعراض موجّه إليهم. وهكذا، بدل أن تعيش حياتك، تصبح حياتك خطابًا طويلًا موجّهًا إلى أشخاص قد لا يقرأونه أصلًا. وهذه من أكثر صور العبث إثارة للشفقة.

لا تجعل أحدًا يحتل مساحة في رأسك لم يدفع ثمنها. لا تجعل رأي شخص فيك يحدد مقدار احترامك لنفسك، ولا تجعل شخصًا شكك فيك يصبح السبب الذي يدفعك إلى النجاح. لأنك إن نجحت من أجله، فقد نجحت في أن تجعله محور حياتك. والانتصار الحقيقي ليس أن تقول له: «سأثبت لك أنك مخطئ»، بل أن تصل إلى مكان لا يعود رأيه مهمًا أصلًا. هناك يبدأ التحرر.

كن قويًا بما يكفي كي لا تحتاج إلى الظهور قويًا، وواثقًا بما يكفي كي تعترف بجهلك، وعظيمًا بما يكفي كي لا تحتاج إلى تحقير أحد، وناضجًا بما يكفي كي تسمح للآخرين أن يسيئوا فهمك دون أن تهرع لتصحيح صورتك في أذهانهم. ليس كل سوء فهم يستحق التوضيح، وليس كل اتهام يستحق الدفاع، وليس كل استفزاز يستحق إجابة، وليس كل شخص يستحق أن يعرف حقيقتك. الغموض أحيانًا ليس ضعفًا… بل سيادة.

وفي مرحلة ما، ستفهم أن أعظم صورة للكرامة ليست أن تنتصر على من أراد إسقاطك، بل أن تصبح غير معني بسقوطه أصلًا. أن تمشي دون أن تلتفت، أن تنجح دون أن تستعرض، أن تتقدم دون أن تقارن، أن تعرف قيمتك دون أن تطلب شهادة من أحد، وأن تترك للأيام مهمة شرحك. لأن الحقيقة لا تحتاج إلى حملة علاقات عامة، والقيمة لا تحتاج إلى إعلان، والقوة لا تحتاج إلى ضجيج، والذي يعرف تمامًا من يكون، لا يركض خلف كل شخص ليقنعه بذلك.

لذلك، حين تجد نفسك مضطرًا كل مرة إلى إثبات أنك الأذكى، أو الأقوى، أو الأنجح، أو الأفضل، توقف لحظة وانظر إلى نفسك بصدق. ربما المشكلة ليست أن الآخرين لم يعرفوا قيمتك؛ ربما المشكلة أنك أنت، للحظة، احتجت إلى أن يعرفوها.

وهذه هي الإهانة الحقيقية.

أما حين تصل إلى المرحلة التي تستطيع فيها أن تُساء قراءتك دون أن تهتز، وأن تُقلل منك دون أن تدافع عن نفسك، وأن يسبقك شخص دون أن تشعر أنك تأخرت، فأنت لم تعد بحاجة إلى أن تكون الأفضل.

لقد أصبحت أكبر من المنافسة نفسها.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى