العمارين تكتب: هل طفلك مصاب بالتوحد أم ضحية للشاشات؟

التاج الإخباري -

بقلم: شهد العمارين

قراءة في ظاهرة التوحد الكاذب أسبابها وحلولها

في عصر تزايد إطلاق التشخيصات النفسية وتزايد الاعتماد على الأجهزة الذكية كوسيلة لإلهاء الأطفال، ظهر مصطلح "التوحد الكاذب". صمتٌ غير مبرر، وتأخرٌ في الكلام، وعدم التواصل البصري، ومشكلةٌ في تفسير الروتينية؛ هذه كلها علامات وأعراض تضع أولياء الأمور في موقف حيرة ودائم خوفاً من إصابة ابنهم باضطراب التوحد. لكن قبل أن نلجأ للتشخيص الحتمي، يجب أن نتساءل: هل يعاني الطفل فعلياً من التوحد، أم أنه مجرد ضحية لغياب التفاعل البيئي والعزلة الناتجة عن التكنولوجيا؟

الفرق بين التوحد الحقيقي والتوحد الكاذب
إن التوحد الحقيقي هو اضطراب نمائي عصبي له عدة أسباب جينية وبيولوجية، ولا تسببه الشاشات إطلاقاً. أما ما يُعرف بـ "التوحد الكاذب" فهو حالة مكتسبة تظهر نتيجة قلة التفاعل مع الاهل والحرمان البيئي ؛ حيث يُمضي الطفل ساعات طويلة أمام الشاشات في مراحل عمرية مبكرة دون تفاعل بشري حقيقي. هذا العزل يجعله يكتسب سلوكيات تشبه التوحد، مثل ضعف التواصل الاجتماعي وتأخر الكلام، لكن الفارق الأساسي هو أن هذه الأعراض تبدأ بالتحسن والتراجع بمجرد قطع الشاشات او التخفيف منها وإعادة إدماج الطفل في بيئة تفاعلية ونشطة ومشاركته في المسؤولية والمحاور والنقاشات العائلية
واقع الظاهرة في مجتمعاتنا
في مجتمعاتنا العربية اليوم، نلاحظ انتشاراً واسعاً لهذه الحالات؛ حيث تلجأ الكثير من العائلات إلى تسليم الأجهزة الذكية للأطفال في سن مبكرة جداً كوسيلة لإلهائهم أو تهدئتهم. هذا الاعتماد الزائد يخلق لدى الطفل بيئة فقيرة تفاعلياً، مما يدفع الأهل فوراً إلى القلق والاعتقاد الخاطئ بأن طفلهم يعاني من اضطراب التوحد بمجرد ملاحظة تأخره في النطق أو انسحابه الاجتماعي.
ماذا تقول الدراسات العلمية؟
تؤكد الأبحاث والمراجعات العلمية الحديثة هذه الظاهرة؛ أشارت دراسة حديثة موثقة في قاعدة البيانات الطبية (PubMed) عام 2024...إلى وجود ارتباط وثيق بين التعرض المفرط للشاشات في مرحلة ما قبل المدرسة وظهور أشكال من السلوكيات الشبيهة بالتوحد (Autistic-like behaviors)؛ حيث تبين أن قلة التفاعل الأبوي المباشر أثناء التعرض للشاشات تساهم بشكل مباشر في تأخر المهارات اللغوية والاجتماعية دون أن يكون الطفل مصاباً باضطراب عصبي دائم.
الدراسة الثانية (PMC / NIH): أشار باحثون في دراسة حول ما يُعرف بـ "التوحد الافتراضي" (Virtual Autism) إلى أن الأطفال الذين يعانون من تأخر لغوي وعزلة اجتماعية نتيجة الشاشات، أظهروا تحسناً وتراجعاً ملحوظاً في هذه الأعراض بعد بضعة أشهر فقط من قطع الأجهزة الذكية وإدماجهم في بيئة تفاعلية.

الخاتمة والتوصيات
في النهاية، يجب ألا نتسرع في إطلاق الأحكام والبطاقات التشخيصية على أطفالنا قبل تقييم بيئتهم اليومية. الحل يبدأ من إحداث تغيير بسيط لكنه جوهري: تقليل ساعات الشاشات كلياً في السنوات الأولى، واستبدالها بالحديث المستمر، واللعب التفاعلي، والأنشطة الحركية والدمج مع الأطفال الآخرين. إن حماية أطفالنا واستعادة تواصلهم مع العالم الحقيقي هي مسؤوليتنا الأولى تبدأ من داخل البيوت.

بقلم الباحثة شهد العمارين




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى