من يروي القصة أولًا؟ .. كتاب "الإعلام الرقمي والقرار الدبلوماسي" يفتح معركة الوعي الجديدة
التاج الإخباري -
خاص ْفي عالم تتسابق فيه الأخبار والصور والمقاطع المصورة للوصول إلى الجمهور خلال ثوانٍ، لم تعد المعارك تُدار فقط في غرف العمليات أو على طاولات المفاوضات، بل انتقلت بشكل متزايد إلى الشاشات والمنصات الرقمية، حيث تُخاض مواجهة أخرى لا تقل خطورة، عنوانها: من يملك الرواية؟ ومن ينجح في تشكيل وعي الجمهور قبل أن تتشكل الحقيقة في ذهنه؟
هذا التحول يضع الإعلام الرقمي في موقع يتجاوز وظيفته التقليدية كناقل للمعلومة، ليصبح أحد العوامل المؤثرة في تشكيل الرأي العام، وإدارة الأزمات، وصناعة البيئة التي يتحرك داخلها القرار السياسي والدبلوماسي.
ومن هذه الزاوية، يكتسب كتاب الباحث رمزي موسى الريحاني "الإعلام الرقمي والقرار الدبلوماسي" أهمية تتجاوز الإطار الأكاديمي، باعتباره محاولة لقراءة التحولات التي فرضتها التكنولوجيا على العلاقة بين الإعلام والدولة والدبلوماسية وصناعة القرار، في وقت أصبحت فيه المعلومة والصورة والرواية أدوات تأثير ونفوذ لا تقل حضورًا عن الأدوات التقليدية للقوة.
فلم يعد السؤال اليوم مقتصرًا على امتلاك الدولة للمعلومة، بل على قدرتها على تقديمها وتفسيرها ووضعها في سياقها الصحيح، خصوصًا في ظل بيئة رقمية مفتوحة تستطيع فيها الشائعات والمعلومات المضللة والروايات الموجهة أن تنتشر بسرعة قد تتجاوز أحيانًا قدرة المؤسسات الرسمية على الاستجابة.
وهنا تحديدًا، تظهر واحدة من أهم القضايا التي يطرحها الكتاب، وهي أن الفراغ الإعلامي لا يبقى فارغًا طويلًا.
فعندما تتأخر الرواية الرسمية، أو تغيب المعلومات الواضحة، أو يُترك الجمهور أمام سيل من المصادر غير الموثوقة، تبدأ روايات أخرى في ملء هذا الفراغ، بعضها قد يكون مبنيًا على التخمين، وبعضها الآخر قد يكون جزءًا من حملات منظمة تستهدف التأثير في الرأي العام وتوجيه الإدراك نحو نتائج محددة.
وفي العصر الرقمي، قد لا تكون المشكلة في غياب الحقيقة، بقدر ما تكون في عجز الحقيقة عن الوصول بالسرعة والتأثير نفسيهما اللذين تصل بهما الرواية المضللة.
وهذا ما يجعل مفهوم "صناعة الإدراك" الذي يتناوله الكتاب أحد أكثر المفاهيم ارتباطًا بطبيعة الصراعات الحديثة.
فالصورة المتداولة، والعنوان، وطريقة تقديم الخبر، والخوارزمية التي تحدد ما يظهر للمستخدم وما يختفي عنه، جميعها عوامل يمكن أن تسهم في تشكيل تصور معين عن حدث أو دولة أو قضية.
ومع تكرار الرسائل وتضخيمها، قد تتحول الرواية إلى واقع في أذهان الجمهور، حتى وإن كانت الوقائع أكثر تعقيدًا أو مختلفة عما يجري تداوله.
وفي هذا السياق، تصبح المعركة على الإدراك مرحلة قد تسبق أحيانًا المعركة السياسية نفسها، لأن الرأي العام الذي يتشكل تحت تأثير رواية معينة يمكن أن يضغط على الحكومات والمؤسسات، ويؤثر في القرارات والمواقف، بل وفي طريقة تعامل الدول مع الأزمات.
لذلك، فإن الحديث عن الإعلام الرقمي لم يعد منفصلًا عن مفهوم الأمن الوطني.
فالتهديد لم يعد يأتي فقط عبر الحدود أو من خلال أدوات القوة التقليدية، وإنما يمكن أن يبدأ بخبر مضلل، أو مقطع مجتزأ، أو صورة خارج سياقها، قبل أن يتحول إلى حالة من الارتباك أو فقدان الثقة أو الضغط الشعبي.
ومن هنا، يبرز التحدي أمام الدول في كيفية التعامل مع هذا الواقع دون الوقوع بين خيارين متناقضين: الصمت الذي يسمح للروايات الأخرى بالانتشار، أو الخطاب الإعلامي التقليدي الذي لا ينسجم مع سرعة العصر الرقمي وطبيعة جمهوره.
ويبدو أن الحاجة اليوم أصبحت أكبر إلى رواية وطنية لا تقوم فقط على إصدار البيانات عند وقوع الأزمات، وإنما على بناء حضور مستمر وقادر على التفسير والتوضيح ومخاطبة الجمهور بلغته وعلى المنصات التي يستخدمها.
فالرواية الوطنية الفاعلة لا تعني الدعاية، ولا تعني تجاهل الوقائع أو تقديم صورة مثالية، وإنما تعني امتلاك القدرة على تقديم الموقف والمعلومة والسياق قبل أن تصبح القضية أسيرة لتفسيرات الآخرين.
وفي هذا الإطار، يلفت الكتاب الانتباه إلى العلاقة المتغيرة بين التكنولوجيا والسيادة، خصوصًا مع النفوذ المتزايد للشركات والمنصات الرقمية العابرة للحدود.
فهذه المنصات لم تعد مجرد مساحات افتراضية للتواصل، بل أصبحت تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في ما يراه الناس، وفي القضايا التي تحظى بالانتشار، وفي طبيعة النقاش العام.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: إلى أي مدى تستطيع الدول حماية سرديتها الوطنية في فضاء رقمي لا تملك أدواته بالكامل؟
وهو سؤال يزداد أهمية مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى المشهد، وهي القضية التي يسلط عليها الكتاب الضوء من خلال تناوله "وهم الموضوعية في الذكاء الاصطناعي".
فالأنظمة الذكية تستطيع تحليل كميات هائلة من البيانات وتقديم توقعات واستنتاجات بسرعة غير مسبوقة، لكنها في النهاية تعمل ضمن بيانات وخوارزميات ومعايير بشرية، ما يعني أن التعامل معها باعتبارها أداة محايدة بشكل مطلق قد يقود إلى قراءة ناقصة للمخاطر.
فالقرار السياسي أو الدبلوماسي لا يُبنى على الأرقام وحدها.
هناك سياقات تاريخية واجتماعية وسياسية، وهناك مصالح وطنية وحسابات إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في البيانات.
ولهذا، فإن التحدي لا يتمثل في رفض التكنولوجيا، بل في القدرة على استخدامها دون أن تتحول من أداة مساعدة إلى بديل عن العقل البشري وصانع القرار.
كما يفتح الكتاب مساحة مهمة للحديث عن القوة الناعمة، ودور السينما والإعلام والصورة الذهنية في التأثير على الشعوب والدول.
فالدولة التي تنجح في تقديم نفسها للعالم من خلال قصة وصورة وهوية واضحة، تمتلك أدوات تأثير قد تتجاوز في بعض الأحيان قدرتها العسكرية أو الاقتصادية.
ولهذا، فإن الدبلوماسية الحديثة لم تعد تقتصر على السفراء والبيانات الرسمية والاجتماعات المغلقة، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالصورة التي تصل إلى الجمهور العالمي، وبقدرة الدولة على شرح مواقفها بلغات مختلفة ومن خلال أدوات تتناسب مع طبيعة العصر.
وفي المحصلة، فإن ما يطرحه "الإعلام الرقمي والقرار الدبلوماسي" لا يتعلق فقط بمستقبل الإعلام، بل بمستقبل العلاقة بين الدولة والمعلومة والقرار.
فنحن أمام واقع جديد أصبحت فيه سرعة انتشار الرواية عاملًا مؤثرًا، وأصبح فيه الرأي العام أكثر ارتباطًا بالأحداث، وأصبح فيه الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة للتنافس على التأثير وتشكيل الإدراك.
وفي مثل هذا العالم، لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات أو بحجم الاقتصاد، بل أصبحت هناك قوة أخرى تفرض نفسها بقوة: قوة المعلومة، وقوة الصورة، وقوة الرواية.
ومن ينجح في فهم هذه المعادلة، ويمتلك القدرة على إدارة روايته وتقديمها في الوقت المناسب، قد يكون أكثر قدرة على حماية مصالحه ومواقفه.
أما ترك المجال مفتوحًا للروايات الأخرى، فقد يعني أن تجد الدولة نفسها في موقع الدفاع عن قصة كتبها الآخرون نيابة عنها.
وهنا تكمن أهمية الكتاب؛ ليس باعتباره دراسة في الإعلام الرقمي فحسب، بل كقراءة في شكل الصراع القادم، حيث لن تكون المعركة دائمًا على الأرض، وإنما قد تبدأ من شاشة، ومن رواية، ومن قدرة طرف ما على تشكيل ما يراه الناس حقيقة
الرجاء الانتظار ...