من أجل المشاهدات .. هل باع بعض صناع المحتوى صورة الأردن؟
التاج الإخباري -
بقلم: همام الفريحات ْفي الوقت الذي يسعى فيه الأردن إلى تعزيز صورته كدولة تحترم الآخر وتتمسك بقيمها وأخلاقها، تبرز بين فترة وأخرى تصرفات من بعض صناع المحتوى تثير الجدل، خصوصًا عندما تحدث خارج المملكة، وتضع أصحابها في مواجهة انتقادات واسعة بسبب أسلوب الحديث أو التصرفات أو المحتوى المقدم.
ورصدت التاج الإخباري مؤخرًا حالة من الاستياء تجاه صانع محتوى أردني، عقب إساءته إلى طيار سوري خلال وجوده في سوريا، في واقعة أثارت غضبًا وتفاعلاً واسعًا بين مواطنين سوريين وأردنيين، قبل أن يقدم صانع المحتوى اعتذارًا عن تصرفه.
وبعيدًا عن الاعتذار الذي جاء بعد تصاعد الغضب، فإن الإساءة لا يمكن تبريرها أو التعامل معها باعتبارها مجرد محتوى عابر بحثًا عن المشاهدات، خصوصًا عندما تصدر من صانع محتوى خارج بلده وأمام جمهور واسع. وما جرى يطرح علامات استفهام جدية حول مسؤولية هذا النوع من صناع المحتوى، ومدى إدراكهم لخطورة كلماتهم وتصرفاتهم، التي لا تتوقف آثارها عند حدود الشخص نفسه، بل قد تمتد إلى صورة بلده وشعبه، فليس كل ما يجذب المشاهدات يُعد محتوى، وليس كل اعتذار لاحقًا يمحو أثر إساءة كان يمكن تجنبها من الأساس.
فصانع المحتوى لا يمثل نفسه فقط في كثير من الأحيان، بل قد يرى الآخرون في تصرفاته صورة عن المجتمع الذي ينتمي إليه، وهو ما يجعل اختيار الكلمات وطريقة التعامل مع الآخرين أمرًا لا يقل أهمية عن صناعة المحتوى نفسها.
المشكلة لا تتوقف عند واقعة واحدة، بل تتعلق بانتشار نمط من المحتوى يعتمد على الاستفزاز والألفاظ غير اللائقة والتصرفات المثيرة للجدل بهدف تحقيق المشاهدات والوصول إلى " الترند" ، وكأن إثارة الغضب أصبحت في بعض الحالات طريقًا أسرع للشهرة.
وهنا يجب التفريق بوضوح بين حرية التعبير وصناعة المحتوى من جهة، وبين الإساءة والتجاوز من جهة أخرى. فمن حق أي شخص أن يعبر عن رأيه، لكن هذا الحق لا يعني إهانة الآخرين أو الاستهزاء بثقافاتهم أو عاداتهم أو رموزهم، ولا يمنح أحدًا حصانة من المسؤولية عن أفعاله.
كما أن وجود صانع المحتوى خارج الأردن يفرض عليه مسؤولية إضافية، لأن أي تصرف غير محسوب قد يتحول خلال دقائق إلى مادة متداولة على نطاق واسع، وقد يخلق انطباعات سلبية لا علاقة لها بأخلاق المجتمع الأردني ولا بثقافته.
ومن هنا، نوجّه رسالة واضحة إلى الحكومة والجهات المعنية بضرورة وضع حد لهذه التجاوزات، خصوصًا عندما يتحول المحتوى إلى وسيلة للإساءة للآخرين أو لتقديم صورة لا تليق بالأردن وأبنائه خارج حدوده، وذلك من خلال تطبيق القانون والأطر التنظيمية على الجميع دون المساس بحرية التعبير المشروعة، فحرية الرأي لا تعني الإساءة، والشهرة لا تمنح أحدًا الحق في تجاوز حدود المسؤولية أو استغلال اسم الأردن وسمعة أبنائه من أجل المشاهدات و«الترند».
الأردن بلد له صورته ومكانته، والأردنيون الذين يسافرون إلى الخارج يحملون معهم سمعة بلدهم، لذلك فإن احترام الآخرين والالتزام بالذوق العام يجب أن يكونا أساسًا لأي حضور إعلامي أو رقمي.
وفي المقابل، فإن الاعتذار الصادق عند الخطأ يجب أن يُحترم، لأن الهدف ليس ملاحقة الأشخاص أو تصفية الحسابات معهم، وإنما إيصال رسالة واضحة: صناعة المحتوى مسؤولية، والتأثير مسؤولية، والحرية مسؤولية، ومن أراد أن يصل إلى الملايين عليه أن يدرك أن كل كلمة وتصرف قد تكون لهما نتائج تتجاوز حدود الشاشة.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل حان الوقت لوضع ضوابط أكثر فاعلية للمحتوى المسيء، بما يحمي حرية التعبير من جهة، ويحمي صورة الأردن وقيم المجتمع من جهة أخرى؟
الرجاء الانتظار ...