الاعتداءات تربك بيئة العلاج .. هل تنحسر ظاهرة العنف ضد الأطباء بالمستشفيات؟
التاج الإخباري -
لم تعد الاعتداءات على الأطباء والكوادر الصحية في المستشفيات حوادث عابرة يمكن التعامل معها بوصفها خلافات فردية، في ظل تكرارها وما تتركه من آثار على سلامة العاملين واستقرار بيئة العمل وجودة الرعاية المقدمة للمرضى.وبينما يفترض أن تكون المستشفيات أماكن للعلاج والحماية، يجد أطباء وممرضون ومقدمو خدمات صحية أنفسهم في مواجهة التهديد أو الإساءة أو العنف أثناء تأدية واجبهم، ما يطرح تساؤلات جدية حول أسباب استمرار هذه الظاهرة وسبل الحد منها.
وبرغم جهود التعامل مع الاعتداءات عبر الإجراءات القانونية والإدارية، وتعزيز الحماية في المؤسسات الصحية، فإن استمرار تسجيلها يؤكد أن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على ما بعد وقوع الحادثة، بل تستدعي مواجهة جذور المشكلة، وتعزيز الوعي المجتمعي بحرمة الاعتداء على الكوادر الصحية.
تأهيل الأطباء لمواجهة الاعتداءات
وتعليقا على ذلك، قال مصدر نقابي مطلع إن حالات الاعتداء على الكوادر الطبية في مستشفيات القطاع العام شهدت تراجعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، مقارنة بما كانت عليه سابقا، مشيرا إلى أن عدد الحالات المسجلة انخفض من نحو 111 حالة في العام 2016 إلى قرابة 44 حالة في العامين الأخيرين، أي إلى أقل من النصف.
وأوضح المصدر أن هذا التراجع يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها التحسن النوعي الذي طرأ على مستوى الخدمات الصحية في القطاع العام، بعد تنفيذ عمليات تحديث وتطوير واسعة في مستشفيات وزارة الصحة، إلى جانب زيادة أعداد الكوادر الطبية والتمريضية وتحسن الإمكانات المتاحة.
ولفت إلى أن موازنة الوزارة ارتفعت من نحو 550 مليون دينار في العام 2016 إلى قرابة 833 مليون دينار حاليا، معتبرا أن زيادة الإنفاق انعكست بصورة مباشرة على جودة الخدمات الصحية وتطوير بيئة العمل في المستشفيات.
وأكد المصدر أن الإجراءات النقابية المتخذة لمتابعة حالات الاعتداء، بما في ذلك توكيل محامين ومتابعة القضايا قانونيا، أسهمت كذلك في الحد من الظاهرة وتعزيز حماية الكوادر الطبية، بالتوازي مع ارتفاع مستوى الوعي لدى الأطباء والعاملين في القطاع الصحي بآليات التعامل مع المراجعين، خصوصا في أقسام الطوارئ.
وبيّن أن أقسام الطوارئ تستحوذ على نحو 93 % من حالات الاعتداء المسجلة، باعتبارها من أكثر نقاط التماس حساسية في المستشفيات، بحيث يصل المرضى في أوضاع صحية ونفسية صعبة، وغالبا ما يرافقهم أفراد من أسرهم يكونون تحت ضغط وقلق شديدين، ما قد يؤدي أحيانا إلى احتكاكات تنتهي بحوادث اعتداء.
وأكد المصدر أن معظم حالات الاعتداء المسجلة تتراوح بين البسيطة والمتوسطة، ويجري التعامل معها وفق الإجراءات المتبعة، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة النظر إلى الظاهرة بموضوعية وعدم تحميل طرف واحد مسؤوليتها بصورة مطلقة، بحيث قد توجد حالات فردية يكون فيها للطبيب أو مقدم الخدمة جانب من المسؤولية، لكنها لا تمثل القاعدة العامة.
ودعا إلى إخضاع الأطباء، قبل التحاقهم بالعمل الميداني، إلى برامج تدريب وتأهيل متخصصة، على غرار ما يخضع له العاملون في قطاعات مهنية أخرى، بحيث لا تقتصر عملية التأهيل على الجانب الفني والطبي، بل تشمل أيضا مهارات التواصل مع المرضى وذويهم، وطرق التعامل مع الحالات المتوترة، وامتصاص غضب المراجعين.
وشدد المصدر على أن الطبيب حديث التخرج ينبغي ألا ينتقل مباشرة من مقاعد الدراسة والامتحانات إلى العمل في أقسام الطوارئ من دون تدريب عملي كافٍ، مؤكدا أهمية إكسابه المهارات الفنية اللازمة للتعامل مع الحالات الخطرة، إلى جانب تدريبه على التواصل الإنساني والمهني مع المرضى ومرافقيهم.
وأضاف أن غياب التدريب الكافي في هذا الجانب قد يفاقم فرص حدوث المشكلات، خصوصا في بيئة الطوارئ التي تتطلب قدرة عالية على ضبط المواقف والتعامل مع الضغوط النفسية المتزايدة.
وكشف عن وجود توجه للتواصل مع مختلف النقابات الصحية، لبحث أسباب الاعتداءات بصورة مشتركة والعمل على وضع حلول جذرية للحد منها، مؤكدا أن الاعتداءات تطال في معظم الحالات الأطباء، يليهم الممرضون، فيما تسجل حالات أقل بحق الصيادلة وأطباء الأسنان.
قضية مقلقة
من جانبه، اعتبر أمين سر نقابة الأطباء د. مظفر الجلامدة أن ظاهرة الاعتداء على الكوادر الطبية لم تعد مجرد حوادث فردية أو خلافات عابرة، بل قضية مهنية ووطنية مقلقة، تترك آثارا مباشرة على بيئة العمل وجودة الرعاية الصحية واستقرار القطاع بمختلف مكوناته.
وقال الجلامدة إن الاعتداءات، سواء اتخذت شكلا جسديا أو لفظيا أو معنويا، تمثل مساسا بسلامة الكوادر الطبية وكرامتهم، وتؤثر في إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها أي نظام صحي قادر على تقديم خدماته بكفاءة واستقرار.
وأوضح أن التعليمات الموجهة إلى المستشفيات واضحة في التعامل مع هذه الحوادث، حيث يتعين تثبيتها باعتبارها اعتداء على موظف أثناء تأدية واجبه الرسمي، وعدم التعامل معها بوصفها مشاجرة شخصية أو خلافا عابرا بين أفراد.
وبيّن أن غالبية المستشفيات أصبحت على دراية بالإجراءات القانونية والإدارية الواجب اتباعها عند وقوع مثل هذه الاعتداءات، وتتعامل معها وفق الأطر الرسمية المعتمدة، إلا أن المشكلة تكمن في مرحلة لاحقة، تتمثل في عدم استكمال عدد كبير من الأطباء المتضررين الإجراءات القانونية حتى نهايتها.
وأشار الجلامدة إلى أن ضغوط العمل وكثرة الالتزامات والانشغالات تدفع بعض الأطباء إلى التنازل عن حقوقهم أو القبول بتسويات ودية، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى إغلاق الملف قبل وصوله إلى القضاء.
ولفت إلى أن عددا محدودا فقط من قضايا الاعتداء على الكوادر الطبية يصل إلى مرحلة الفصل القضائي، فيما تنتهي غالبية الحالات بتسويات خارج الإطار القضائي، ما قد يضعف أثر الردع ويجعل التعامل مع الظاهرة أكثر تعقيدا.
وأكد الجلامدة أن استمرار هذه الوقائع يستدعي قراءة أكثر عمقا لأسبابها وحجمها، قائلا إن الاعتداء على الكادر الطبي "لم يعد حالات فردية معزولة"، وإنما ظاهرة تحتاج إلى معالجة تستند إلى الأرقام والوقائع، وصولا إلى حلول مؤسسية وتشريعية واضحة، تحمي كرامة العاملين في القطاع الصحي، وفي الوقت نفسه تضمن حق المواطن في الحصول على الرعاية الصحية ضمن بيئة يسودها الاحترام المتبادل وسيادة القانون.
ورغم التراجع النسبي في أعداد الاعتداءات خلال الفترة الأخيرة، يرى الجلامدة أن القضاء على الظاهرة يتطلب معالجة متكاملة لا تقتصر على جانب واحد، بل تشمل تعزيز إجراءات الحماية والأمن داخل المؤسسات الصحية، وتطوير التشريعات ذات الصلة، وتأهيل الكوادر للتعامل مع المواقف المتوترة، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي بخطورة الاعتداء على مقدمي الرعاية الصحية.
وأضاف: "يتمثل جانب من المشكلة في النقص الذي تعاني منه الكوادر الصحية في عدد من المؤسسات، إلى جانب تركز معظم حالات الاعتداء في أقسام الإسعاف والطوارئ التي تشهد عادة ضغطا كبيرا في أعداد المراجعين وحالات المرضى".
تراجع الاعتداءات
بدوره، أكد العضو المؤسس للجنة الأخلاقيات الطبية د. مؤمن سليمان الحديدي أن أعداد الاعتداءات على الكوادر الصحية في الأردن شهدت تراجعا نسبيا في السنوات الماضية، إلا أن استمرار تسجيل هذه الحوادث يؤكد الحاجة إلى إجراءات أكثر حزما لحماية الأطباء والتمريض والفنيين وسائر العاملين في القطاع الصحي.
وأوضح الحديدي أن البيانات المتاحة تشير إلى انخفاض عدد حالات الاعتداء المسجلة من 116 حالة في العام 2018 إلى 36 حالة العام الماضي، مشيرا في الوقت ذاته إلى عدم وجود قاعدة بيانات وطنية موحدة ومنشورة تجمع مختلف فئات العاملين في القطاع الصحي، وتصنف الاعتداءات وفق طبيعتها ودرجة خطورتها، ما يجعل الصورة الكاملة لحجم الظاهرة بحاجة إلى مزيد من التوثيق والدراسة.
وقال إن انخفاض الأرقام لا يعني أن المشكلة انتهت، بحيث إن كل حادثة اعتداء تمثل مساسا بالعلاقة الإنسانية والمهنية التي يفترض أن تجمع المريض بالطبيب وبقية مقدمي الرعاية الصحية، مؤكدا أن الاعتداء على العاملين في المهن الطبية مرفوض بصورة قاطعة، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف.
وأشار الحديدي إلى أن استمرار تسجيل هذه الحوادث يؤكد ضرورة التعامل معها باعتبارها قضية تتجاوز حدود الحوادث الفردية، لافتا إلى تعرض طبيب اختصاص لاعتداء داخل قسم العناية الحثيثة في مستشفى البشير مؤخرا، فضلا عن حوادث مماثلة وقعت في مستشفى الأمير حمزة وبعض المستشفيات الطرفية.
وبيّن أن معظم الاعتداءات تتركز في أقسام الطوارئ، وهي الأقسام التي يقصدها المرضى في أكثر لحظاتهم حاجة إلى الرعاية. كما أن غالبية الحالات تسجل في القطاع العام، ويكون المعتدون، في نسبة كبيرة منها، من مرافقي المرضى، ما يستدعي دراسة الأسباب التي تقف وراء هذه السلوكيات وطبيعة الظروف التي تدفع إلى تصاعد التوتر في المؤسسات الصحية.
ولفت الحديدي إلى أن الاعتداء غالبا ما يبدأ بالتهديد أو الإساءة اللفظية، قبل أن يتطور إلى الدفع أو الاحتكاك الجسدي، ثم قد يصل إلى الضرب والتسبب بإصابات تستدعي العلاج، مشيرا إلى أن القطاع الصحي شهد في السابق حالات إصابة بالغة الخطورة نتيجة هذه الاعتداءات.
وشدد على أن مواجهة الظاهرة تتطلب إجراءات قانونية رادعة، بالتوازي مع دور أكبر لمنظمات المجتمع المدني في ترسيخ ثقافة مجتمعية ترفض الاعتداء على الكوادر الصحية وتعتبره سلوكا مشينا وغير مقبول.
وأكد أن مهنة الطب وسائر المهن الصحية تقوم على تقاليد ومعايير أخلاقية وإنسانية تجعل احترام كرامة الإنسان جزءا أصيلا من ممارسة المهنة، وهو سلوك ينبغي أن يحظى بالحماية والدعم من المرضى وذويهم قبل غيرهم.
ودعا الحديدي إلى البدء مبكرا في تعزيز السلوك المهني والإنساني لدى مقدمي الرعاية الصحية عبر ترسيخ مفاهيم الأخلاقيات الطبية منذ سنوات الدراسة، وتحويلها إلى ممارسات يومية تقوم على التعامل الرحيم مع المريض وأسرته، بما يسهم في خفض التوتر وبناء الثقة داخل المؤسسات الصحية.
في المقابل، اعتبر أن حماية الكوادر الصحية لا تقتصر على العقوبات بعد وقوع الاعتداء، وإنما تشمل معالجة الظروف المهنية التي قد تزيد من مستويات التوتر والإرهاق، وفي مقدمتها ساعات العمل الطويلة، داعيا إلى تنظيم أوقات دوام الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، والحد من الاحتراق المهني الذي قد ينتج عن فترات العمل المرهقة والمتواصلة.
وأشار الحديدي إلى أن اجتثاث السلوك العدائي تجاه مقدمي الرعاية الصحية يتطلب معالجة أسبابه من جذورها، عبر تكامل الإجراءات القانونية والتوعوية والمهنية، بما يضمن بيئة آمنة للعاملين ويحافظ في الوقت ذاته على حق المرضى في الحصول على رعاية صحية قائمة على الاحترام والثقة المتبادلة. الغد
الرجاء الانتظار ...