المشاقبة يكتب: المفرق في السردية الأردنية

التاج الإخباري -

بقلم: أ.د أمين مشاقبة.

المفرق كمحافظة أردنية أصيلة، تقع في قلب السردية من تاريخ الدولة الأردنية، وكجزء من تاريخ الدولة السياسي والاجتماعي والحضاري عبر العصور بما فيها العهود الهاشمية الأربعة.
عرفت بلدة المفرق تاريخياً باسم الفدين وهي تصغير لاسم "فِدنْ"، أي القصر أو القلعة الحصينة. ثم سميت بالمفرق، انفرد بذكرها ياقوت الحموي الذي ذكر عن أحداث حصلت في العهد الأموي، توفي فيها ودفن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه-وفيها حصن منيع هدم في عهد المأمون-وهي طريق لقوافل الحج الشامي وفي أواخر العهد المملوكي ذكرها ابن طولون سنة ٩٥٠هـ ١٥١٤ م"خان المفرق على طريق الحج".

ومر بها الرحالة بيركهارت عند عودته من اسطنبول ١٨١٢ وقال: "لما كان الصباح رحلنا الى وادٍ قديم ويُعرف بالمفرق لأن الحجاج إذا رجعوا يتفرقون فيه وهي سيل كثر الزلق وحوله قرى وضياع".

عرفت في العصور القديمة، العصر الحجري:

منذ عشرات آلاف السنين تتواجد الحياة في هذه المنطقة، واكتشفت بها آثار مثل السكاكين ورؤوس الرماح من أحجار الصوان، ووجدت آثار تدل على وجود مستوطنات زراعية تعود الى ١٠ آلاف سنة قبل الميلاد.

العصر الحديدي:

تأسّست قلعة الفدين في القرن التاسع قبل الميلاد لتكون حصناً حدودياً للدولة الآرامية الأنباط، الرومان، البيزنطيين، إذ كانت معبراً للقوافل التجارية شرقاً-وجنوباً.

في العهد البيزنطي كان فيها ما يزيد على ٧ كنائس، وأقدم كنيسة في التاريخ المسيحي اكتشفت في منطقة رحاب التي فيها العديد من الآثار الرومانية، والبيزنطية، والمسيحية، وأم الجمال (الواحة السوداء) هي إحدى المدن العشر الديكابولس أيام الإغريق، وهي مُدرجة على لائحة التراث العالمي اليونسكو.

• حيان المشرف، دير الكهف، رحاب وغيرها من الخرائب والتجمعات وقصر برقع (شجرة البقعاوية).

العهد الإسلامي:

شهدت المنطقة اهتماماً واسعاً منذ بدايات العهد الإسلامي، العهد الأموي، العهد العباسي والمملوكي، والعثماني.

في العهد العثماني كانت جزءا من سنجق حوران يتبع لولاية دمشق-وحتى بادية الشام-وجنوب سوريا وأجزاء من وسط وشمال الأردن حالياً، وحتى سنجق معان والسنجق هو وحدة إدارية.

كان الاهتمام العثماني-بطريق الحج الشامي قبل بناء سكة الحديد والتجنيد الإجباري (العسكري) وجمع الضرائب ولم يكن هناك أي اهتمام تنموي يذكر في المنطقة، وكانت الدولة العثمانية تدفع "الصُّرَّة" لشيوخ العشائر لحماية قوافل الحجيج.

خط سكة الحديد الحجازي: 1908 - 1910

لعبت سكة الحديد دوراً محورياً وحيوياً في انشاء المدينة واتساعها كمحطة بالاتجاهين شمالاً وجنوباً، وهي محطة للحجاج، والتجارة، والاستخدامات العسكرية-نقل الجنود من الاستانة، إلى مكة والمدينة المنورة.

ساهم أبناء العشائر الأردنية في الثورة العربية الكبرى بداية مع جيش الشمال بقيادة الأمير فيصل بن الحسين وانضمت العديد من العشائر الى تلك الجيوش المُتجهة نحو دمشق، وعملت على مهاجمة القطار في أكثر من موقع في منطقة الخربة السمراء وقاموا بقتل العديد من الجنود الأتراك ونهب ما يحملونه.

سكة الحديد جلبت أهلاً من عائلات معان ومع بداية الحكم الهاشمي في دمشق تبعت الأردن للمملكة الفيصلية، لكن ذلك لم يدم طويلاً حيث فرض الانتداب البريطاني نتيجة لاتفاق سايكس-بيكو، وكانت الأردن جزءا من هذا الانتداب ورسم الحدود الحديثة للدولة الأردنية ومع وصول الأمير عبدالله الملك المؤسس بايعت العشائر الأردنية أمير الشرق العربي، ولاحقاً إمارة شرق الأردن/ سكنها بعض المغاربة ١٩٢٥م الذين لجأوا للأمير الذي اقتطع لهم أرضاً، جذورهم من ليبيا.

ومع فرض الانتداب على الاردن تواجدت القوات البريطانية، وقامت بإنشاء معسكر اولي ومطار عسكري سُميَّ بمطار النهضة، جنوب غرب قاعدة الملك الحسين الجوية اليوم.

ومع انشاء شركة نفط العراق IPC العام 1931 لنقل واستغلال نفط كركوك انشئت العديد من المحطات لانبوب النفط القادم من العراق فكانت H3 ،H4 ،H5 المفرق-حتى حيفا، ومحطة المفرق كانت أكبرها وأقواها وساهمت الشركة في استقطاب العديد من العاملين من مختلف ارجاء الأردن، لبنان/فلسطين والوطن العربي واحتوت بذلك خليطاً اجتماعياً، مما اضاف نكهة مميزة للتطوير، والسكان مع بداية الثلاثينيات من القرن العشرين-وخلق حالة من الاندماج والتماسك السكاني بين كل المكونات الاجتماعية، وفي أثناء الحرب العالمية الثانية ١٩٤٢ انشأت بريطانيا طريق المفرق - بغداد الذي استقطب العديد من العمالة الأردنية وأصبحت المدينة جاذبة للسكان لوجود العمل ووجود المعسكرات، والمطار-وعملت على انشاء سينما الصحراء 1932 - وناد رياضي تحت نفس المُسمّى 1932 وعليه فإن أقدم سينما كانت في المفرق، وأول نادٍ رياضي فيها وبعدها تأسست العديد من دور السينما مثل بغداد-اليرموك/خط التابلين-السعودية-طرطوس.

وقد اسست أول بلدية في المدينة عام 1944 برئاسة علي عابدية، ونائبه محمد الأوجلي، ورفعت البلدية والسكان وثيقة مبايعة الملك عبدالله ملكاً على الأردن مؤيدين وثيقة الاستقلال في 25 أيّار 1946.

خط الطول 36 شرقاً، وعرض 32 شمالاً.

تبعت إداريا لعجلون ثم جرش، ولواء يتبع لمحافظة إربد إلى أن تم استحداث محافظة المفرق ١٩٨٥ وفيها خمسة ألوية و9 أقضية، 18 بلدية، وتضم 51 منطقة و196 تجمعاً سكانياً وعدد سكانها 651 ألف مواطن اليوم.

وشهدت محافظة المفرق تطوراً كبيراً، إذ حصلت العديد من الانجازات-نهضة عمرانية كبيرة-وازدياد أعداد السكان-ومنطقة حُرَّة-وجامعة آل البيت، وهي بوابة الشرق إذ تربط الأردن بسوريا عبر معبر جابر والعراق عبر معبر الكرامة، والسعودية عبر معبر العمري قبل أن تقطع للزرقاء، مساحتها 552,26كم2، ما يُعادل 6,29% من مساحة المملكة.

•عبر التاريخ الحديث عند تسلّم الملك المغفور له الحسين وعودته كانت في مطار المفرق 1953 حيث استقبل استقبالاً شعبياً كبيراً من قبل شيوخ ووجهاء المحافظة وفيها انطلق بموكب من السيارات إلى عمان.

قدمت المحافظة العديد من الشهداء من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في الحروب العام ١٩٤٨-١٩٦٧-١٩٧٠ وغيرها ويخدم نسبة كبيرة منهم في الجيش خيرة من أبنائها الذين قدموا أرواحهم من أجل الوطن.

وفيها مقبرة شهداء الجيش العراقي عام ١٩٤٨ وهذا شاهد على وحدة الدم والصف إذ تضم رفات 39 شهيداً عراقياً.

إن دور المحافظة كبير في تطور الأردن على العديد من مستويات الجيش، والأمن، والتعليم، والقيادات السياسية البارزة.. المفرق هي السردية ذاتها!.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى