بين هوس الجمال ومخاطر فقدان البصر .. هل ينتشر "ترند" تلوين العينين في الأردن؟
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.استشاري عيون يكشف لـ "التاج" حقيقة تلوين العين ومخاطره على البصر
مع انتشار صيحات التجميل عبر منصات التواصل الاجتماعي ازداد في الآونة الأخيرة الحديث عن الإقبال على تلوين قرنية العين لأغراض تجميلية، وسط ترويج لهذا الإجراء باعتباره وسيلة دائمة لتغيير لون العين.
وأثار انتشار مقاطع ومحتوى يروّج لهذه التقنية تساؤلات حول مدى انتشارها في الأردن، والمخاطر الصحية التي قد تترتب عليها، خصوصًا أنها تتعلق بالقرنية، وهي من أكثر أجزاء العين حساسية وأهمية في عملية الإبصار.
وفي هذا السياق، قال استشاري أول طب وجراحة العيون د. زياد الزبيدي إن ترند تلوين قرنية العين بدأ يلقى رواجًا في الأردن، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تروّج له كوسيلة "دائمة لتغيير لون العين"، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى ظاهرة واسعة مقارنة بإجراءات تجميلية أخرى مثل البوتوكس والفيلر.
وأكد الزبيدي أن من واجب الأطباء التحذير من المخاطر الصحية الجسيمة التي قد ترافق هذه الإجراءات، مشددًا على أن المكاسب التجميلية لا ينبغي أن تكون على حساب سلامة العين أو القدرة على الإبصار.
وأوضح الزبيدي أن القرنية هي الطبقة الشفافة التي تغطي مقدمة العين، وتعمل كنافذة تسمح بمرور الضوء وتساعد على تركيزه على الشبكية، كما تشكل خط الدفاع الأول لحماية العين من العوامل الخارجية.
وبيّن أن القرنية تتميز بعدة خصائص تجعلها فريدة بين أنسجة الجسم، أبرزها أنها شفافة تمامًا، ما يسمح بمرور الضوء إلى داخل العين دون تشويش، كما أنها خالية من الأوعية الدموية، ولذلك تحصل على الأكسجين والمواد المغذية من الدموع والسائل الموجود داخل العين.
وأضاف أن القرنية غنية جدًا بالنهايات العصبية، ما يجعلها من أكثر أنسجة الجسم حساسية للألم واللمس، كما أنها تمثل معظم القوة الانكسارية للعين، إذ تؤمن نحو ثلثي قدرة العين على تركيز الضوء.
وأشار إلى أن القرنية تتكون من خمس أو ست طبقات دقيقة تعمل معًا للحفاظ على الشفافية والصلابة والحماية، ولذلك فإن أي تدخل جراحي فيها، حتى لو كان لأغراض تجميلية، قد يؤثر في صفاء الرؤية أو يعرّض العين لمضاعفات قد تصل إلى فقدان البصر إذا لم يُجرَ وفق معايير طبية دقيقة.
ما هي تقنية تلوين القرنية؟
وأوضح الزبيدي أن التقنية تُعرف باسم تصبغ القرنية (Keratopigmentation)، وتعتمد على حقن صبغات خاصة داخل طبقات القرنية لتغيير اللون الظاهر للعين بصورة دائمة أو طويلة الأمد.
وأشار إلى أن هذه التقنية طُورت في الأساس لأغراض علاجية، مثل تحسين مظهر العين لدى المرضى الذين يعانون من ندوب أو عتامات في القرنية، أو تشوهات ناتجة عن إصابات أو أمراض.
وأضاف أن استخدام هذه التقنية للأشخاص الأصحاء لأسباب تجميلية يخرج عن نطاق استخدامها الأساسي، ويتعارض مع المبدأ الطبي القائم على عدم التسبب بالضرر للمريض.
ما أبرز المخاطر والمضاعفات المحتملة؟
وحذر الزبيدي من أن الإجراءات التي تستهدف القرنية قد تحمل مجموعة من المضاعفات، مشيرًا إلى ما تذكره الأكاديمية الأمريكية لطب العيون من مخاطر محتملة، من بينها تلف القرنية، والعتامة، والتشوه، وتسرب السوائل أو تشكل الندبات التي قد تتطلب لاحقًا زراعة قرنية.
كما تشمل المخاطر، بحسب الزبيدي، الالتهابات والعدوى في العين، وتهيج القرنية، وعدم انتظام توزيع الصبغة، والحاجة إلى تدخلات علاجية لاحقة في حال ظهور مشكلات، إلى جانب صعوبة عكس النتائج أو التراجع عن الإجراء.
وأكد أن أي تدخل جراحي في القرنية ينطوي بطبيعته على مخاطر صحية، حتى مع استخدام التقنيات الحديثة.
ما الذي يدفع الشباب إلى هذا الخيار؟
ويرى الزبيدي أن اتباع الموضة يمثل أحد العوامل التي قد تدفع بعض الشباب إلى تغيير لون العين، إذ يرتبط تعديل المظهر أحيانًا بالشعور بالهوية الشخصية وتقدير الذات، إلى جانب تأثير المعايير الاجتماعية والثقافية وضغط وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أشار إلى ظاهرة Looksmaxxing المنتشرة بين الشباب، والتي تقوم على السعي إلى تحسين المظهر الجسدي بطرق قد تكون قصوى في بعض الحالات.
وأوضح أن العيون الزرقاء الفاتحة ينظر إليها أحيانًا باعتبارها معيارًا جماليًا، ما قد يدفع البعض إلى خوض هذه الإجراءات رغم تكلفتها المرتفعة، التي تتجاوز 10 آلاف يورو، والمخاطر المرتبطة بها.
عمليات تغيير لون العين.. مضاعفات موثقة
ولفت الزبيدي إلى وجود قصص ومضاعفات موثقة مرتبطة بعمليات مختلفة لتغيير لون العين، من بينها زراعة القزحية (Iris Implants)، التي روجت لها شركات مثل BrightOcular.
وأوضح أن هذه العمليات ارتبطت بمضاعفات خطيرة، شملت تلف القرنية، والتهاب القزحية، وارتفاع ضغط العين "الجلوكوما"، ما اضطر بعض المرضى إلى إزالة الزرعات، فيما تعرض بعضهم لمضاعفات شديدة كادت تؤدي إلى فقدان البصر.
وأشار إلى أن فيلمًا وثائقيًا وثق رحلة مريض تعرض لمضاعفات نتيجة زراعة قزحية في الهند.
تلوين القرنية.. مضاعفات قصيرة وطويلة الأمد
وبشأن تلوين القرنية، أوضح الزبيدي أن المضاعفات الفورية قد تشمل الألم، والجفاف، والاحمرار، والحساسية للضوء، والشعور بوجود جسم غريب في العين، إضافة إلى الوهج.
وأشار إلى أن دراسة أظهرت معاناة 81% من أصل 42 مريضًا من الألم بعد العملية.
أما المضاعفات طويلة الأمد، فتشمل تكوّن أوعية دموية جديدة في القرنية، وترققها، وانحناءها بصورة غير منتظمة، بما يعرف بتطور القرنية المخروطية، إضافة إلى انحراف القرنية «الاستجماتيزم»، وحتى حدوث ثقب في القرنية أو الإصابة بعدوى بكتيرية.
كما حذر من مشكلات مستقبلية محتملة، بينها أن الطبقة الصبغية قد تعيق تشخيص أمراض العين مستقبلًا، وتصعّب إجراء عمليات لاحقة، مثل إزالة المياه البيضاء.
ويؤكد الزبيدي أن الخلاصة الطبية تتمثل في أن هذه العمليات، حتى مع التقنيات الحديثة، تبقى محفوفة بمخاطر جسيمة قد تصل إلى فقدان البصر، وهي مخاطر لا تبررها المكاسب التجميلية.
هل يسمح بإجراء هذه العمليات في الأردن؟
وأوضح الزبيدي أن جمعيات أطباء العيون في المنطقة، بما فيها الأردن، قيدت أو منعت بعض هذه التقنيات للأشخاص الأصحاء، واعتبرت بعضها إهمالًا أو خطأً طبيًا.
كما حذر أطباء أردنيون عبر منصات التواصل الاجتماعي من أن هذه الإجراءات غير معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأردنية أو الأمريكية FDA، وقد تحمل مضاعفات خطيرة.
وينصح الزبيدي باستخدام العدسات اللاصقة الملونة كبديل، مع الالتزام بقواعد وشروط استخدامها، وأشار إلى أن أكاديمية العيون الأمريكية تؤكد أن الإجراء التجميلي في العين السليمة لا يخلو من المخاطر، ولا ينبغي اعتباره بديلًا آمنًا للعدسات اللاصقة الملونة.
أين تُجرى عمليات تلوين القرنية؟
وبيّن الزبيدي أنه رغم الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو التي تروج لتغيير لون العين، فإن عمليات تلوين القرنية لا تعد إجراءً تجميليًا معتمدًا على نطاق واسع.
وأوضح أنها تجرى في عدد محدود من العيادات، خاصة في دول مثل إسبانيا وتركيا والهند والمكسيك ودول الكاريبي ومصر والإمارات، بينما لا تزال محل جدل بين أطباء العيون.
وأكد أن هيئات طبية عديدة ترى أن استخدام هذه التقنية يجب أن يقتصر على الحالات العلاجية، وليس تغيير لون العين لدى الأشخاص الأصحاء لأغراض تجميلية.
وشدد الزبيدي على ضرورة التمييز بين الاستخدام العلاجي والتجميلي لهذه التقنيات، مؤكدًا أن الاستخدام العلاجي يجب أن يتم بعد تقييم طبي دقيق للحالة.
كما دعا إلى عدم الانسياق وراء الترندات دون معرفة المخاطر المحتملة، والتعامل مع سلامة العين باعتبارها الأولوية القصوى، إلى جانب استشارة طبيب عيون مختص وفهم جميع الفوائد والمخاطر قبل اتخاذ أي قرار.
واختتم الزبيدي حديثه لـ "التاج الإخباري" بالتأكيد على أن انتشار أي ترند تجميلي لا يعني بالضرورة أنه آمن، وأن تغيير لون العين لأغراض جمالية لا ينبغي أن يدفع الأشخاص إلى المخاطرة بأحد أكثر أعضاء الجسم حساسية، خصوصًا عندما تكون المضاعفات المحتملة مرتبطة بالرؤية وقد تصل في بعض الحالات إلى فقدان البصر.
الرجاء الانتظار ...