بين التحرك الملكي والتصعيد الإقليمي .. هل يستعد الأردن لمختلف السيناريوهات؟
التاج الإخباري -
حنين زبيده ْفي ظل التصعيد الإقليمي المتواصل، تتزايد مؤشرات الجاهزية الأردنية على المستويين الرسمي والأمني، مع جملة من التوجيهات والتحركات التي تعكس استعداد المملكة لمختلف السيناريوهات، بدءًا من توجيه جلالة الملك الحكومة لتعزيز المخزون الاستراتيجي من الطاقة والغذاء والسلع الأساسية، وصولًا إلى صدور الإرادة الملكية السامية بإعادة تعيين رئيس الديوان الملكي، وتعيين مدير مكتب جلالة الملك عضوين في مجلس الأمن القومي، وهو ما يأتي في سياق موقف أردني أكثر حزمًا، سبق أن عبّر عنه وزير الخارجية أيمن الصفدي قبل أسابيع حين تحدث عن حدود الصبر الأردني إزاء الهجمات الإيرانية.
الاستعداد قبل الأزمة.. عقيدة أردنية لمواجهة تهديدات الإقليم
من جانبه، أكد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد الركن المتقاعد أيمن الروسان، أن الأردن لا يتحرك بمنطق الذهاب إلى الحرب، وإنما يستعد لاحتمال توسعها، في وقت تتجه فيه الدولة إلى رفع جاهزيتها وتعزيز قدرتها على الصمود أمام أي تداعيات محتملة للتصعيد الاقليمي.
وقال الروسان في حديثه لـ"التاج الإخباري"، إن النظر إلى السياسة الاردنية خلال السنوات الماضية يظهر أن تطوير القدرات الدفاعية لم يكن مجرد اتفاقيات أو شراكات عسكرية، بل جاء ضمن رؤية استباقية قادها جلالة الملك عبدالله الثاني، تقوم على أن الاستعداد يجب أن يسبق الازمة لا أن يأتي بعدها.
وبين أن تطورات المنطقة أثبتت أن الحروب تغيرت، وأصبحت القوة لا تعتمد فقط على عدد الجنود والاسلحة، بل ايضا على سرعة القرار والدفاع الجوي والاستخبارات والحرب الالكترونية والطائرات المسيرة والقدرة على التنسيق مع الحلفاء، مشيراً الى أن هذه كلها مجالات عمل الاردن على تطويرها مبكراً استعداداً لتهديدات أصبحت اليوم واقعاً في المنطقة.
تحصين الداخل.. الأردن يعزز مخزونه الاستراتيجي تحسباً لتداعيات التصعيد
وفي المشهد الاقليمي المضطرب، أوضح الروسان أن الاردن يبرز بحساسية استثنائية تجاه أي اضطراب في المنطقة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي وقربه من بؤر الصراع، ولكن ايضاً وبسبب طبيعة اقتصاده واعتماده على الاستيراد، ما يجعل أي اضطراب في سلاسل الامداد ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن واستقرار الدولة.
وأضاف أن التحركات الاردنية الاخيرة يمكن قراءتها باعتبارها انتقالا من إدارة الازمات بعد وقوعها الى بناء جاهزية ومرونة وطنية قبل وقوعها، مع ادراك واضح بأن هامش الصبر الاردني يضيق مع كل موجة تصعيد جديدة.
وأشار الى أن ما يميز التوجيهات الملكية الاخيرة هو توسعة مفهوم الامن الوطني، فلم يعد الامن يعني الجانب العسكري فقط، بل أصبح يشمل أمن الطاقة والغذاء والموانئ والنقل واستمرار سلاسل التوريد، وقدرة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والامنية على العمل تحت الضغط، ولذلك جاءت التوجيهات برفع جاهزية المنظومة الوطنية وتعزيز المخزون الاستراتيجي من الطاقة والحبوب والسلع الاساسية.
وقال الروسان إن الرسالة واضحة، وهي أن الاردن لا يريد الانتظار حتى تقع الازمة ثم يبحث عن الحل، بل يريد أن تكون لديه مخزونات كافية وبدائل ومسارات توريد جاهزة قبل أن تتسع الازمة، مبيناً أن ذلك مهم جدا لدولة مثل الاردن، لأن استقرارها الاقتصادي مرتبط بشكل كبير باستمرار تدفق الطاقة والغذاء والسلع.
تعزيز مركز القرار.. قراءة في دلالات التجديد داخل مجلس الأمن القومي
وحول إعادة تعيين رئيس الديوان الملكي الهاشمي وتعيين مدير مكتب جلالة الملك عضوين في مجلس الامن القومي لمدة عامين، أوضح أن ذلك أتى من الناحية الدستورية، وبالتالي فهو جزء من التجديد الدوري، إلا أن توقيته يعطي ايضاً أهمية للاستمرارية وسرعة التنسيق بين مؤسسات الدولة ومركز القرار.
وأضاف الروسان لـ"التاج"، أن وجود هذه الخبرات داخل المجلس يمكن أن يعزز البعد السياسي والاستراتيجي في عملية اتخاذ القرار، ويجعل المجلس أكثر قدرة على الجمع بين القراءة الامنية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية.
رسالة أردنية بثلاثة مسارات.. كيف يضيق الأردن هامش تحمله للتصعيد؟
وبشأن ما يسمى بحدود الصبر الاردني، قال الروسان إنه لا يعتقد أن المعنى هو أن الاردن ذاهب الى الحرب أو أنه اتخذ قرارا بالتصعيد، معتبراً أن الرسالة أدق من ذلك.
وأوضح أن الاردن يتحرك على ثلاثة مستويات في الوقت نفسه، أولها دبلوماسي من خلال رفع سقف الرسائل والتحذير من تجاوز حدود الاحتمال الاردني، وثانيها عسكري وأمني من خلال رفع الجاهزية وتعزيز التنسيق، وثالثها اقتصادي ولوجستي من خلال تأمين الطاقة والغذاء والمخزون وسلاسل الامداد.
وأكد أن موقف وزير الخارجية أيمن الصفدي وتوجيهات الملك بشأن الجاهزية والمخزون الاستراتيجي ليست ملفات منفصلة، بل هي جزء من رسالة واحدة، مفادها أن الدبلوماسية تقول "لا تدفعوا الاردن الى زاوية ضيقة"، فيما تقول الجاهزية "إذا اتسعت الازمة فنحن مستعدون لتقليل آثارها".
ما بعد الصبر المفتوح.. الأردن يضع الجاهزية في صلب أمنه الوطني
وفي ختام حديثه لـ"التاج"، قال الروسان إنه لا يرى أن الاردن يتحرك بمنطق "نحن ذاهبون الى الحرب"، بل بمنطق "نحن نستعد لاحتمال أن تتوسع الحرب ونريد أن نمنع انتقال كلفتها الينا".
وأضاف أنه يمكن القول إن مرحلة الصبر المفتوح انتهت وبدأت مرحلة الصبر المشروط بالردع والجاهزية، لافتاً الى أن الامن الوطني الاردني اليوم لا يقاس فقط بقدرة الجيش على صد التهديد، وإنما ايضاً بقدرة الدولة على الصمود اذا طال أمد الازمة من خلال المخزون والبدائل ومسارات التوريد، الى جانب الجاهزية العسكرية والامنية والخطاب الدبلوماسي الذي يضع حدودا واضحة لأي تجاوز.
الرجاء الانتظار ...