الروسان يكتب: الترسانة في مواجهة الخريطة
التاج الإخباري -
بقلم: العميد الركن المتقاعد أيمن الروسان.في ميزان القوى العسكري، تتفوق الولايات المتحدة على إيران بفارق هائل في القوة الجوية والبحرية، والقدرات الصاروخية والاستخبارية واللوجستية، والإنفاق العسكري. لكن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على الحسم السريع؛ لأن إيران تمتلك عاملًا لا تستطيع الولايات المتحدة تغييره، وهو عامل الجغرافيا. واشنطن تملك الترسانة، وطهران تملك الخريطة.
أمريكا تملك النيران، وإيران تملك المكان. تستطيع الولايات المتحدة، إذا قررت توسيع الحرب، أن تدمر منشآت عسكرية وبنى تحتية ومنصات صاروخية داخل إيران، وأن تحشد قوات أكبر وتحصل على دعم تحالف واسع. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحرب من ضربات دقيقة إلى حرب استنزاف؛ فكل يوم إضافي يعني استهلاك الصواريخ الاعتراضية والذخائر والطائرات والسفن، وارتفاع كلفة إعادة الإنتاج، بينما تستطيع إيران استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والألغام والوسائل غير المتماثلة لرفع كلفة العمليات الأمريكية.
وتكمن أهمية إيران في قدرتها على توظيف مضيق هرمز كورقة استراتيجية. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل نقطة اختناق عالمية تمر عبرها كميات ضخمة من الطاقة، وأي اضطراب في الملاحة يمكن أن يتحول إلى أزمة في النفط والغاز والشحن والتأمين والاقتصاد العالمي. ولذلك، لا تحتاج إيران إلى هزيمة البحرية الأمريكية حتى تحقق تأثيرًا استراتيجيًا، بل يكفيها رفع مخاطر الملاحة وفرض تكلفة سياسية واقتصادية على استمرار الحرب.
لهذا، فإن معضلة واشنطن ليست في قدرتها على ضرب إيران، وإنما في قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية دون الدخول في استنزاف طويل. فإذا صعّدت الحرب، رفعت كلفة المواجهة، وإذا أطالتها، استهلكت مخزونها العسكري، وإذا انسحبت دون نتيجة واضحة، خسرت جزءًا من أثر الردع. ولهذا يصبح التفاوض بالنيران هو المسار الأقرب، حيث يستخدم كل طرف قوته لتحسين شروطه على طاولة المفاوضات.
إيران لا تستطيع هزيمة أمريكا في حرب تقليدية، لكنها تستطيع محاولة منعها من تحقيق نصر سريع. وأمريكا تستطيع تدمير قدرات عسكرية إيرانية كبيرة، لكنها لا تستطيع بسهولة إلغاء أثر الجغرافيا أو ضمان أن يؤدي القصف إلى استسلام سياسي.
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين قوتين متساويتين، وإنما بين تفوق أمريكي في النيران وقدرة إيرانية على استثمار الجغرافيا والاستنزاف.
في النهاية، قد لا يكون النصر لطرف واحد، بل قد تفرض الحرب تسوية مرحلية يدرك فيها الطرفان أن الاستمرار في القتال أكثر كلفة من التفاوض. وهذه هي طبيعة حروب القرن الحادي والعشرين، حيث لا يحسم الصراع دائمًا من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع تحويل قوته إلى مكسب سياسي قبل أن يتحول التفوق العسكري إلى استنزاف.
الرجاء الانتظار ...