"دماغك الذي يتعفن" .. لغز أكبر كذبة علمية طاردت مستخدمي الشاشات
التاج الإخباري -
بدأت قصة الإنترنت عام 1989، عندما أنشأ العالم البريطاني تيم بيرنرز لي شبكة هدفها ربط المنظمات الأوروبية ببعضها البعض، فطور شبكة الويب العالمية. لكن الإنترنت في ذلك الوقت لم يكن شائع الاستخدام أو متاحا لعامة الناس كما هو في وقتنا الحالي، فقد كانت الشبكة قاصرة على المؤسسات الحكومية والعسكرية والأكاديمية في أوائل التسعينيات، وشيئا فشيئا بدأ فتح الإنترنت أمام الاستغلال التجاري، وبحلول عام 2000، شهدت الشبكة العنكبوتية نقلة نوعية مع تطور محركات البحث، وظهور البريد الإلكتروني بشكله الحديث.وبداية من عام 2005، وبالتوازي مع الاستخدام الشعبي واسع النطاق لشبكة الإنترنت، بدأ تداول بعض المصطلحات، بعد أن أُضفيت عليها الصفة العلمية، أبرزها كان مصطلح "الإنفومانيا" (Infomania)، الذي يعني (هوس المعلومات)؛ إذ زعمت دراسة أجريت لصالح شركة الحوسبة الأمريكية هيوليت باكارد (Hewlett-Packard)، أن استخدام البريد الإلكتروني يخفض معدل ذكاء الأفراد أكثر من تعاطي "نبات القنب"، المسبب للانتشاء والهلوسة.
وصرح الباحثون وقتها قائلين إن الأشخاص الذين يتعرضون لتشتت الانتباه من قبل رسائل البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية الواردة، يقل معدل ذكائهم بمقدار 10 نقاط، أي أكثر من ضعف ما سجلته الدراسات التي تناولت تأثير تعاطي "الماريجوانا"، لما لاستخدام هذه الوسائل من آثار مشابهة لتأثير عدم النوم ليلة كاملة، إضافة إلى الشعور بالتعب والخمول وعدم القدرة على الإنتاج.
أثارت هذه الدراسة موجة عارمة من القلق، وتناقلتها التغطيات الصحفية حينذاك من الغارديان إلى صحيفة التايمز، وشبكة "سي إن إن" الإخبارية، بعناوين مثيرة مثل "الإيميل قد يقلل معدل ذكائك أكثر من تعاطي الحشيش"، (ولا تزال الدراسة تستحضر إلى اليوم في وسائل الإعلام). غير أن أحد العلماء انهمك في البحث عن الورقة البحثية الأصلية للدراسة، وهو شين أومارا، عالم الأعصاب الأيرلندي وأستاذ أبحاث الدماغ التجريبية في كلية ترينيتي بمدينة دبلن، وما وجده كان صادما، فلم يكن للورقة البحثية وجود.
كل ما هنالك كان بيانا صحفيا حول استطلاع رأي على غرار استطلاعات "غالوب"، شمل حوالي ألف شخص اعترفوا بإساءة استخدامهم للتكنولوجيا بطرق مختلفة، أما النصف الثاني لما وصف بـ "الدراسة العلمية"، فكان عبارة عن استشارة ليوم واحد قام بها طبيب نفسي، بمشاركة 8 أفراد فقط، وجد أن قدرتهم على حل المشكلات تأثرت بإشعارات البريد الإلكتروني ورنين الهواتف المحمولة، ما عمل على تشتيت ذهنهم لبعض الوقت.
ما وصفه المشاركون كان تشتيتا مؤقتا، وليس انخفاضا دائما في معدلات الذكاء، كما صورت التقارير الصحفية. لكن بعض الجهات لجأت لإضافة بعض الجوانب الجاذبة للانتباه لأجل الحبكة، إذ قارنوا تلك النتائج مع تأثيرات قلة النوم وتدخين الماريجوانا، وهو ما اعترض عليه الطبيب النفسي الذي أجرى الاستشارة لاحقا. وهكذا أُخرجت هذه التجربة العجيبة مصطلح "هوس المعلومات" (الإنفومانيا) إلى النور، للإشارة إلى الشعور بالإرهاق والتشتت الناتج عن التدفق الهائل للبيانات الرقمية، وتفقد الرسائل والإشعارات بلا توقف.
هذه المقدمة الطويلة ضرورية للغاية قبل أن نتلمس طريقنا لفهم طبيعة هذه المصطلحات التي تنتشر بصحبة التكنولوجيا، هل هي حقا معبرة عن ظواهر حقيقية؟ أم أنها مجرد "زوبعات" إعلامية وثقافية؟ وكما انتشر مصطلح "هوس المعلومات" عام 2005، قبل ولادة الجيل الأول من أجهزة آيفون عام 2007، سيظهر مصطلح "تعفن الدماغ"، والذي اقترن شيوعه عام 2023 بانتشار محتوى الفيديوهات القصيرة لتطبيق "تيك توك"، بعدما قيل إنها تتسبب في تدهور القدرات العقلية والذهنية للمتابعين.
تعفن الدماغ.. مرض حقيقي أم مبالغة؟
عندما نسمع مصطلح "تعفن الدماغ"، فإن أول ما يستحضره الذهن صورة لدماغ ينال منه العطب، ويبرز على سطحه العفن الأخضر. هذه الصورة الذهنية الصادمة، لا توحي بأي حال من الأحوال بما يعنيه هذا المصطلح حقيقة، والذي يشير إلى حالة الشرود الذهني وعدم القدرة على التركيز أو إنجاز المهام اليومية الشاقة والمملة.
في عام 2024، اختارت دار نشر جامعة أكسفورد مصطلح "تعفن الدماغ" كلمة العام، وعرفت المصطلح بأنه تدهور في الحالة العقلية أو الفكرية للشخص، نتيجة الإفراط في استهلاك المحتوى الذي يصنف "تافها" أو غير هادف، وهو المحتوى الذي لا يحفز العقل على التفكير والتحليل العميق. وكان مصطلح "تعفن الدماغ" قد شهد رواجا كبيرا خلال العام؛ إذ لاحظ خبراء اللغة (المسؤولون عن إصدار قاموس أكسفورد الإنجليزي الشهير)، زيادة في معدل استخدام المصطلح بنسبة وصلت إلى 230% بين عامي 2023 و2024، واستخدم على الأغلب للتعبير عن المخاوف المرتبطة بالاستخدام السلبي للهواتف المحمولة، وبخاصة محتوى وسائل التواصل الاجتماعي.
كان اللافت للنظر، أن المصطلح في حد ذاته ليس جديدا، فأول ذكر موثق لهذا التعبير اللغوي يعود إلى عام 1854، في كتاب "بحيرة والدن" (Walden) للشاعر والفيلسوف الأمريكي، هنري ديفيد ثورو، والذي استخدم اللفظ المركب "التعفن الدماغي" لوصف حالة الانغماس في الأفكار السطحية، والميل المجتمعي للتقليل من شأن الأفكار المعقدة. فيقول ثورو: "بينما تكثف إنجلترا جهودها لمعالجة تعفن البطاطس، ألن تحاول أي جهة أخرى إيجاد حل لتعفن الدماغ، هذا الذي ينتشر على نحو أوسع نطاقا وأكثر فتكا؟".
كان ثورو فيلسوفا متقشفا، انتقد مجتمع القرن التاسع عشر المنغمس في متطلبات الحياة الحضرية، وقد رأى في نمط الحياة هذا مؤشرا على تراجع قدراتهم العقلية والفكرية، وبعد أن اختلى بنفسه في أحضان الطبيعة لأكثر من عامين على ضفاف بحيرة والدن، عاد ليروي تجربته عن عيش حياة بسيطة قائمة على التأمل، فخرج كتابه إلى النور، والذي يعتبر علامة فارقة في الأدب والفكر الأمريكي.
الرجاء الانتظار ...