من مكة إلى العالم .. ولادة قطب إسلامي جديد يعيد كتابة خرائط القوة
بقلم: د علي الطراونة
ليست كل الاتفاقيات العسكرية تُغيّر التاريخ، لكن بعضها يُعلن بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية. ومن هذا المنطلق، فإن توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية قد يكون أحد أهم الأحداث الجيوسياسية في العقد الحالي، ليس فقط لأنها تجمع ثلاثًا من أكبر القوى الإسلامية، بل لأنها تعكس تحولًا في فلسفة الأمن الإقليمي، من الاعتماد على التحالفات التقليدية إلى بناء شراكات استراتيجية مستقلة قادرة على حماية المصالح المشتركة وصناعة توازنات جديدة.
إن اختيار مكة المكرمة لتوقيع الاتفاقية لم يكن مجرد اختيار جغرافي، بل يحمل رمزية سياسية وحضارية عميقة، توحي بأن الدول الثلاث أرادت أن تبعث برسالة إلى العالم مفادها أن التعاون الإسلامي لم يعد يقتصر على الاقتصاد أو الدبلوماسية، بل دخل مرحلة الأمن والدفاع المشترك، في وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات غير مسبوقة، وتتصاعد فيه المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ في الشرق الأوسط وآسيا.
ووفقًا لما أُعلن، تقوم الاتفاقية على مبدأ الدفاع الجماعي، بحيث يُعد أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، إلى جانب تعزيز التعاون في الصناعات العسكرية، ونقل التكنولوجيا الدفاعية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء المناورات والتدريبات المشتركة، بما يؤسس لإطار أمني جديد قد يتطور مستقبلًا إلى منظومة دفاعية أكثر تكاملًا.
وتكمن خصوصية الاتفاقية في أنها تجمع بين عناصر قوة متكاملة لا تتوافر في أي تجمع إقليمي آخر.
فالسعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والسياسي، وتتبنى مشروعًا طموحًا لتوطين الصناعات العسكرية ضمن رؤية 2030، إلى جانب موقعها القيادي في العالمين العربي والإسلامي.
أما تركيا، فقد تحولت خلال العقدين الماضيين إلى قوة صناعية دفاعية صاعدة، وأصبحت منتجاتها العسكرية تنافس في الأسواق العالمية، بينما تمثل باكستان قوة عسكرية كبيرة، وخبرة عملياتية طويلة، فضلًا عن كونها الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي.
إن اجتماع هذه العناصر في إطار دفاعي واحد يمنح الاتفاقية وزنًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الدول الثلاث، ليؤثر في مجمل معادلات الأمن الإقليمي.
و لن يكون مستغربًا أن تتابع إيران هذه الاتفاقية بدقة، فهي تدرك أن أي تقارب دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان يضيف معطى جديدًا إلى البيئة الأمنية المحيطة بها.
لكن في الوقت نفسه، لا توجد مؤشرات رسمية على أن الاتفاقية موجهة ضد إيران، كما أن مسار التقارب السعودي الإيراني خلال السنوات الأخيرة يجعل من المرجح أن تسعى طهران إلى الجمع بين تعزيز قدراتها الدفاعية والحفاظ على قنوات الحوار مع الرياض، تفاديًا لتحول الاتفاقية إلى محور صدامي.
أما إسرائيل، فمن المرجح أن تنظر إلى الاتفاقية من زاوية توازن القوى.
فهي أمام إطار دفاعي يضم دولة عربية محورية، وقوة صناعية عسكرية متقدمة، ودولة نووية، وهو ما قد يدفعها إلى إعادة تقييم البيئة الأمنية في المنطقة، وتعزيز قدراتها الدفاعية، ومتابعة أي خطوات تنفيذية قد تنبثق عن الاتفاقية، خاصة إذا تطورت إلى قيادة عسكرية مشتركة أو منظومات دفاع متكاملة.
بالنسبة للهند، فإن وجود باكستان في هذا التحالف يجعل الاتفاقية ذات أهمية خاصة.
وقد يدفعها ذلك إلى تسريع برامجها الدفاعية، وتعميق تعاونها مع شركائها الدوليين، مع الحرص في الوقت ذاته على المحافظة على علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية المتنامية مع المملكة العربية السعودية، إدراكًا لأهمية الرياض كشريك استراتيجي في مجالات الطاقة والاستثمار.
قد تنظر دول الخليج إلى الاتفاقية باعتبارها فرصة لتعزيز الأمن الجماعي، وتوسيع مجالات التعاون في الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والدفاع الجوي، دون أن يعني ذلك التخلي عن شراكاتها التقليدية مع القوى الدولية.
فالمنطقة تتجه تدريجيًا نحو تنويع خياراتها الأمنية، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي، لن تكون واشنطن بعيدة عن متابعة هذا التطور.
فالولايات المتحدة تدرك أن حلفاءها في المنطقة يسعون اليوم إلى تنويع شراكاتهم الدفاعية، بما يمنحهم استقلالية أكبر في القرار الاستراتيجي.
ومن المرجح أن تتعامل واشنطن مع الاتفاقية باعتبارها واقعًا جديدًا، مع السعي إلى الحفاظ على علاقاتها الدفاعية الوثيقة مع السعودية وتركيا، ومراقبة مدى تأثير الاتفاقية على توازنات الأمن الإقليميي
قد يكون من المبكر وصف اتفاقية مكة بأنها “ناتو إسلامي”، فمثل هذا الوصف يحتاج إلى مؤسسات عسكرية موحدة، وقيادة مشتركة، وآليات تنفيذ واضحة.
لكن المؤكد أن الاتفاقية تمثل بداية مرحلة مختلفة في التفكير الاستراتيجي للدول الإسلامية الكبرى؛ مرحلة تقوم على بناء القوة الذاتية، وتكامل القدرات، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز الردع، بدلًا من الاكتفاء بالاعتماد على التحالفات الخارجية.
لقد اعتادت المنطقة أن تكون ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى، لكن اتفاقية مكة قد تكون بداية انتقالها إلى مرحلة تصبح فيها شريكًا في صناعة معادلات القوة، لا مجرد متلقٍ لها.
وإذا نجحت الرياض وأنقرة وإسلام آباد في تحويل هذه الاتفاقية إلى منظومة دفاعية فعالة، فإن المؤرخين قد ينظرون إلى يوم توقيعها في مكة بوصفه لحظة فارقة في تاريخ الأمن الإقليمي، وبداية لولادة قطب إسلامي جديد يفرض حضوره في معادلات القرن الحادي والعشرين.
الرجاء الانتظار ...