الدويري تكتب: من "سياحة الصواريخ" إلى الإنذار العسكري .. عمّان تكسر قواعد اللعبة؟

التاج الإخباري -

كتبت: نور الدويري.

أعادت التطورات الأخيرة من التصعيد العسكري والسياسي في الشرق الأوسط صياغة المفاهيم الاستراتيجية للأمن القومي العربي بشكل غير مسبوق، فمع استمرار وتيرة المواجهة شهد المسرح الميداني تحولاً دراماتيكياً، إذ لم تعد الصواريخ والمسيّرات الإيرانية مجرد أدوات لضرب العمق الإسرائيلي، بل غيرت مسارها تماما و تحوّلت الأجواء العربية تحديداً الأردن إلى ساحة تداخل واشتباك متقطع إلى مستمر بواسطة وكلاء إيران في المنطقة.

ويطرح هذا السلوك تساؤلاً جوهرياً: هل يعكس هذا التصعيد هروباً إيرانياً من المواجهة المباشرة مع ترسانة تل أبيب المحصنة، أم أنه محاولة لتوظيف الجغرافيا العربية كورقة ضغط تفاوضية؟

إن تدفق الصواريخ الإيرانية يتلاقى مع رغبة دولية، وتحديداً أمريكية، في عدم وقف الحرب في المدى المنظور، حيث توظف واشنطن هذا الصراع كأداة هندسة جيوسياسية لإعادة صياغة وتشكيل خريطة المنطقة ففي هذه المعادلة، تصبح الأجواء العربية وقوداً لسيناريو استنزاف القوى الإقليمية، وتطويقاً لملفات أخرى قادمة، مما يهدد بجر المنطقة إلى محرقة كبرى.

ويقف الأردن اليوم في قلب هذا التحدي الجغرافي المركب فالضغط لا يأتي من الأجواء فقط عبر "عبور الصواريخ"، بل يتزامن مع حسابات أمنية بالغة الحساسية تجاه الانهيارات الحاصلة في الضفة الغربية والتي تشير إلى توقعات حساسه توجب الاستعداد والحذر .

وفي تطور أمني بالغ الخطورة، كشف مصدر رسمي أردني عن إبلاغ عمّان الحكومة العراقية رسمياً بوجود معلومات استخباراتية مؤكدة حول مخططات خطيرة تعدها الميليشيات الموالية لطهران في العراق لاستهداف الأراضي الأردنية كما أن الموقف الأردني لم يقف عند حدود التحذير، بل حمل إنذاراً حاسماً لبغداد يؤكد أن الأردن سيرد عسكرياً وبشكل مباشر على هذه الميليشيات إذا نفذت أي هجوم، ويتوقع من السلطات العراقية كبح جماح هذه الفصائل فوراً.

هذا التحذير الميداني الحازم ترافق مع تفعيل كامل لمنظومات الدفاع الجوي التي نجحت في اعتراض صواريخ إيرانية باليستية ومسيّرات في الأجواء. لتأتي الرسالة الأردنية واضحة ومباشرة: "سماء الأردن وأرضه ليست ساحة لتصفية حسابات الآخرين، وحماية السيادة تتقدم على أي اعتبارات".

من ناحية أخرى، تتأثر موازنات التصعيد بتبدل النبرة في واشنطن مع سياسة ترامب المتقلبة، وتصريحاته الأخيرة التي تتأرجح بين إعلان ضربات قاسية ثم إعلان التأجيل والدفع بتجنب الحروب الشاملة لصالح الصفقات والضغط الاقتصادي. وقد أدى هذا التراجع الحذر إلى خفض سقف التوقعات بشأن رد عسكري أمريكي ساحق، مما دفع إيران وأذرعها الإقليمية للبحث عن "خاصرة رخوة" واستعراض القوة فوق الجغرافيا العربية كبديل "أسهل" لإرسال الرسائل لخصومها.

إذ يثبت المشهد أن محاولات إيران لتوسيع جغرافيا الصراع وتدويله لابتزاز العواصم العربية بدأت تؤتي نتائج عكسية تماماً. فبدلاً من الاستسلام للترهيب، شكّلت التهديدات الأخيرة دافعاً لتعميق التنسيق العسكري الصارم وبناء منظومات دفاعية مستقلة.

إن الجدار الدفاعي والسياسي العربي لاسيما بعد المحادثات والضغوط القيادات الخليجية والاردنية تبعث اليوم برسالة نهائية: استباحة الأجواء والأراضي العربية لم تعد ممراً آمناً للهروب من الردع، بل باتت مستنقعاً يستنزف ما تبقى من أوراق مناورة لطهران في المنطقة.

ليبدو أن تغيير عمّان لهجتها باتجاه التصعيد المباشر مؤشراً حاسماً على أن المنطقة تغلي بدرجة فاقت الاحتمال والتوقع.

في المقابل يبدو أن هذا الحرب تأخد منحنى متشابك من المصالح السياسية والاقتصادية الدولية والمناورات النادرة في التاريخ السياسي والاقتصادي للمنطقة والتي لا تلغي احتمالية التصعيد او انفجار المنطقة .


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى