الطراونة يكتب: معركة الفساد… حين تخسر الحقيقة أمام العاطفة
التاج الإخباري -
بقلم: د.علي الطراونةفي حياة الأوطان معارك لا تُخاض بالسيوف، بل تُخاض بالمبادئ. ومن أعظم هذه المعارك معركة الوطن ضد الفساد؛ تلك المعركة التي لا يكفي فيها الغضب، ولا تنفع فيها الشعارات، ولا يُكتب لها النصر إلا حين يكون ميزانها العدل.
فالفساد لا يخشى الكلمات العالية، ولا يرتجف من حملات مؤقتة، وإنما يخشى قانونًا لا يُستثني أحدًا، وعدالة لا تنحني أمام اسم أو مكانة أو انتماء. لأن الفساد الحقيقي لا يعيش فقط في اختلاس الحقوق أو العبث بالمقدرات، بل يعيش أيضًا في لحظة يُصبح فيها الحكم تابعًا للهوى، وحين تتحول العاطفة إلى قاضٍ، والانحياز إلى معيار.
إن أخطر ما قد يحدث في مواجهة الفساد أن نرفضه في خصومنا ونبرره فيمن نحب. فهذه ليست محاربة للفساد، بل إعادة إنتاج له بصورة أخرى. فاليد التي تضرب الفساد في جهة، ثم تحميه في جهة أخرى، لا تبني وطنًا، بل تمنح الفساد عمرًا جديدًا.
الوطن أكبر من الأشخاص، والحق أسمى من العلاقات، والقانون لا يعرف وجوهًا ولا أسماء. ومن أراد أن ينتصر لوطنه فعليه أن ينتصر للعدل أولًا، لأن الوطن الذي تُدار فيه القضايا بمنطق العاطفة سيجد نفسه يومًا أسيرًا للانتقائية، وحينها يصبح الفرق بين محارب الفساد وصانعه فرقًا في الشعارات لا في الأفعال.
ليست البطولة أن ترفع صوتك ضد فاسد لا تحبه، بل البطولة أن تقف ضد الفساد ولو جاء من جهة تؤيدها. وليست النزاهة أن تطالب بالعقوبة حين يكون المخطئ بعيدًا عنك، بل أن تقبل بها حين تمس دائرة اهتمامك.
إن معركة الوطن مع الفساد ليست معركة انتقام، بل معركة إنقاذ. ولا يكون الإنقاذ إلا بالعدل، لأن الفساد لا يُهزم بالضجيج، بل بالحق. ومن سمح للعاطفة أن تقوده في هذه المعركة، فقد يكتشف متأخرًا أنه لم يكن يحارب الفساد، بل كان يفتح له بابًا جديدًا.
فالأوطان لا يحميها من يملك أشد المشاعر، بل من يملك أعدل المواقف
الرجاء الانتظار ...