الحواتمة يكتب: مهرجان جرش… عندما تتحول الثقافة إلى قوة ناعمة وسياسة سياحية
التاج الإخباري -
بقلم: عضو مجلس الأعيان الباشا حسين الحواتمةلم يعد مهرجان جرش للثقافة والفنون مجرد مناسبة فنية سنوية، بل أصبح أحد أهم أدوات القوة الناعمة الأردنية، وواجهة حضارية تعكس هوية الدولة واستقرارها وانفتاحها الثقافي. وفي عالم تتنافس فيه الدول على بناء صورتها وتعزيز نفوذها بوسائل غير تقليدية، أصبحت المهرجانات الثقافية جزءًا من السياسة العامة، وأداة مؤثرة في الدبلوماسية الثقافية، وتنشيط الاقتصاد، وتسويق السياحة.
وعلى مدى سنوات، نجح مهرجان جرش في ترسيخ مكانته كواحد من أبرز المهرجانات العربية، مستفيدًا من الإرث التاريخي لمدينة جرش، ومن البيئة الآمنة التي يتمتع بها الأردن، ليقدم صورة حضارية عن المملكة باعتبارها دولة تجمع بين التاريخ، والثقافة، والاستقرار.
ولا يقتصر أثر المهرجان على الجانب الثقافي، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني من خلال تنشيط قطاعات الفنادق، والمطاعم، والنقل، والأسواق التجارية، والحرف التقليدية، وزيادة الحركة الاقتصادية في محافظة جرش والمحافظات المجاورة، فضلاً عن توفير فرص عمل موسمية وتحفيز الإنفاق المحلي، وهو ما يجعل الاستثمار في المهرجان استثمارًا اقتصاديًا إلى جانب كونه استثمارًا ثقافيًا.
غير أن القيمة الاستراتيجية للمهرجان لا ينبغي أن تتوقف عند هذه الحدود، بل يمكن أن تمتد إلى دعم صناعة القرار من خلال تحويله إلى منصة وطنية للدراسات والبحوث الاجتماعية والاقتصادية. فمن خلال جمع بيانات الحضور، مع الالتزام الكامل بحماية الخصوصية وموافقة المشاركين، يمكن بناء قاعدة بيانات علمية تشمل الأعمار، والجنس، والمحافظات، والمستوى التعليمي، ومستويات الدخل، وأنماط الإنفاق، والاهتمامات الثقافية، بما يوفر صورة دقيقة عن سلوك المجتمع الأردني وتوجهاته.
ومن خلال تحليل هذه البيانات، يمكن الإجابة عن تساؤلات مهمة، من أبرزها: لماذا يخصص المواطن جزءًا من دخله لحضور الفعاليات الثقافية والترفيهية حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، بينما يبدو أكثر تحفظًا في الإنفاق على مجالات أخرى؟ إن فهم هذه السلوكيات بعيدًا عن الانطباعات، والاعتماد على الدراسات العلمية، يساعد في صياغة سياسات اقتصادية وثقافية أكثر واقعية، تنطلق من احتياجات المجتمع وأنماط حياته الفعلية.
أما على صعيد السياسة السياحية، فإن مهرجان جرش يوفر فرصة استثنائية لدراسة الأسواق السياحية الخارجية. فمن المهم جمع وتحليل بيانات الزوار القادمين من مختلف الدول، ومعرفة جنسياتهم، ودوافع زيارتهم، ومستوى رضاهم عن الخدمات، والمدة التي يقضونها في الأردن، والأماكن التي يزورونها، وحجم إنفاقهم. فهذه المعلومات تمثل ثروة استراتيجية يمكن البناء عليها في تطوير الخطط التسويقية واستهداف الأسواق الأكثر جدوى.
كما يمكن استثمار نتائج هذه الدراسات في عقد اتفاقيات تعاون سياحي مع الدول التي تشهد حضورًا كبيرًا لمواطنيها، بما يعزز السياحة الوافدة والسياحة التبادلية، ويشجع شركات الطيران ومنظمي الرحلات على توسيع برامجهم نحو الأردن، إلى جانب تصميم حملات ترويجية موجهة لكل سوق وفق اهتماماته وخصائصه، وهو ما يمثل جوهر السياسة السياحية الحديثة القائمة على التخطيط العلمي وتحليل البيانات.
ومن المهم كذلك أن يصبح مهرجان جرش نقطة انطلاق لاكتشاف الأردن بأكمله، من خلال ربط فعالياته ببرامج سياحية تشمل البترا، ووادي رم، والبحر الميت، ومأدبا، وعجلون، والعقبة، وغيرها من المقاصد السياحية، بما يطيل مدة إقامة الزائر، ويرفع متوسط إنفاقه، ويحقق عائدًا اقتصاديًا أكبر على مختلف المحافظات.
ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها أن مهرجان جرش حافظ على استمراريته رغم ما شهدته المنطقة من حروب وأزمات سياسية وأمنية واقتصادية، ولم يتوقف إلا في ظروف استثنائية فرضتها جائحة عالمية شملت معظم دول العالم. وهذه الاستمرارية ليست نجاحًا تنظيميًا فحسب، بل تعكس مرونة الدولة الأردنية وقدرتها على التكيف مع الأزمات وتجاوزها، وإصرارها على استمرار رسالتها الثقافية والحضارية رغم أنها تقع في قلب إقليم ملتهب بالتوترات والصراعات. ولو واجهت دول كثيرة الظروف الجيوسياسية ذاتها التي يواجهها الأردن، لما تمكنت من المحافظة على استمرارية مثل هذا الحدث الثقافي بهذا المستوى من التنظيم والثقة.
كما أن استمرار المهرجان يحمل رسالة واضحة إلى العالم بأن الأردن ليس فقط بلدًا يملك إرثًا حضاريًا، بل دولة تمتلك مؤسسات قوية قادرة على حماية الاستقرار واستدامة الحياة العامة. ويعكس ذلك تكامل عناصر القوة الوطنية؛ فالقوة الناعمة التي يمثلها مهرجان جرش تستند إلى قوة صلبة راسخة يمثلها الجيش العربي والأجهزة الأمنية باحترافيتها وكفاءتها، وإلى شعب واعٍ يدرك أن الأمن والاستقرار هما الأساس الذي تُبنى عليه التنمية والثقافة والاقتصاد والسياحة. وهذا التكامل بين الدولة ومؤسساتها ومجتمعها هو ما يمنح الأردن ميزة تنافسية لا تتوافر في كثير من دول المنطقة.
إن نجاح مهرجان جرش يجب ألا يُقاس بعدد الحضور أو الإيرادات المباشرة فقط، بل بقدرته على خدمة المصالح الوطنية في أبعادها المختلفة؛ الثقافية، والاقتصادية، والسياحية، والدبلوماسية، والبحثية. وعندما تتحول الفعاليات الوطنية إلى أدوات لإنتاج المعرفة، ودعم السياسات العامة، وتعزيز صورة الأردن في الخارج، فإنها تصبح استثمارًا طويل الأمد في مستقبل الدولة، وترسخ مكانتها بوصفها نموذجًا للاستقرار والاعتدال والمرونة في منطقة لا تزال تعاني الكثير من الاضطرابات.
الرجاء الانتظار ...