السكك الحديدية الأردنية .. مشروع استراتيجي يعيد رسم مستقبل الاقتصاد والنقل

التاج الإخباري -

أكد مختصون أن مشروع السكك الحديدية في الأردن يمثل أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي تعول عليها المملكة لإحداث نقلة نوعية في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وربط الأردن بآفاق اقتصادية مستقبلية جديدة.

وأوضح المختصون أن قطاع الطرق في الأردن يضم أكثر من 8 آلاف كيلومتر من الطرق الرئيسة والفرعية، فيما يعتمد الاقتصاد الوطني على النقل البري لنقل أكثر من 95% من البضائع وما يقارب 99% من حركة المسافرين داخل المملكة، ما أدى إلى ضغط متزايد على شبكة الطرق وارتفاع تكاليف الصيانة وحوادث المركبات التي تجاوز تسجيلها 1.9 مليون مركبة، يتركز أكثر من 60% منها في العاصمة عمّان، الأمر الذي يزيد من الازدحام المروري واستهلاك الوقود والانبعاثات.

وقال وزير الأشغال العامة والإسكان الأسبق وأستاذ الطرق والمواصلات والجيوماتكس في جامعة العلوم والتكنولوجيا الدكتور محمد طالب عبيدات، إن مشروع السكك الحديدية سيسهم بشكل مباشر في خفض تكاليف النقل، مشيرًا إلى أن الدراسات الدولية تشير إلى أن نقل البضائع بالسكك الحديدية يقلل الكلفة التشغيلية بنسبة تتراوح بين 30 و50% مقارنة بالنقل بالشاحنات لمسافات طويلة، كما يخفض استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 70% لكل طن منقول، ويقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يقارب 75% مقارنة بالنقل البري بالشاحنات.

وأضاف أن المشروع ينسجم مع التزامات الأردن في مجال الاستدامة البيئية والاقتصاد الأخضر، كما سيدعم القطاعات الإنتاجية، خصوصًا أن الأردن ينتج سنويًا ملايين الأطنان من الفوسفات والبوتاس، وتعد شركة مناجم الفوسفات الأردنية وشركة البوتاس العربية من أكبر المصدرين في المنطقة.

وأشار إلى أن نقل هذه المنتجات عبر القطارات يسهم في تخفيض الكلف اللوجستية بصورة كبيرة، وتقليل الضغط على الطرق، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات الأردنية في الأسواق العالمية، موضحًا أن المشروع يخدم المناطق الصناعية المؤهلة، والمدن الصناعية، والمناطق التنموية، والمشاريع الزراعية في وادي الأردن والمفرق والطفيلة ومعان.

وبين عبيدات أن المشروع سيدعم القطاعات الاقتصادية الحيوية، مثل الصناعة والتعدين والزراعة والسياحة، من خلال ربط المناطق الزراعية والأسواق المركزية بشبكة قطارات حديثة، ما يقلل الفاقد في المنتجات الزراعية ويحسن كفاءة سلاسل التوريد.

وأضاف أن السكك الحديدية ستسهل ربط المواقع السياحية مثل البترا ووادي رم والبحر الميت وجرش بعمان والعقبة، بما يعزز الحركة السياحية ويرفع مدة إقامة الزائر وإنفاقه داخل المملكة.

ومن الناحية الاجتماعية، أكد عبيدات أن السكك الحديدية ستسهم في تحسين جودة الحياة للمواطنين من خلال تقليل زمن الرحلات بين المحافظات، والالتزام بمواعيد النقل، وتوفير وسيلة نقل آمنة ومريحة ومنخفضة التكلفة، ما يسهل وصول الطلبة إلى الجامعات والعاملين إلى أماكن عملهم والمرضى إلى المستشفيات والمراكز الطبية.

وأشار إلى أن تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة يساهم في الحد من الازدحام المروري والحوادث، وتقليل استهلاك الوقود والانبعاثات الغازية، بما يتوافق مع أهداف الأردن في التنمية المستدامة والحياد الكربوني.

وأوضح عبيدات أن فوائد المشروع تتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر لتشمل التنمية الإقليمية المتوازنة، إذ يؤدي ربط المحافظات بالمراكز الاقتصادية إلى تشجيع إقامة المشاريع الاستثمارية خارج العاصمة، واستقطاب الصناعات والخدمات إلى المدن الأقل نموًا، وتقليص الفجوة التنموية بين المحافظات.

وأضاف أن تنفيذ المشروع سيولد آلاف فرص العمل المباشرة خلال مراحل التصميم والإنشاء والتشغيل والصيانة، إضافة إلى فرص العمل غير المباشرة في قطاعات الإنشاءات والصناعات الهندسية والخدمات اللوجستية والسياحة والتجارة.

وشدد عبيدات على أهمية إنشاء شبكة نقل سككي حديثة في الأردن، تسهم في معالجة التحديات التي يواجهها قطاع النقل، مؤكدًا أهمية تصميم منظومة نقل متكاملة تضمن الترابط مع وسائل النقل الأخرى، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تمويل الشبكة وإدارتها وتشغيلها، والاستفادة من الخبرات الأكاديمية والبحثية في الجامعات الأردنية لدعم عمليات التخطيط والتنفيذ وبناء القدرات الوطنية.

من جانبها، قالت أستاذة هندسة النقل والطرق والمرور في الجامعة الهاشمية رنده مجلي، إن السكك الحديدية تعد من أهم الركائز الداعمة لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، لما توفره من نقل بين المدن والدول، بما يسهم في تعزيز الترابط الإقليمي وزيادة معدلات النمو الاقتصادي ونقل ملايين الأشخاص وملايين الأطنان من البضائع بكفاءة عالية وأمان مرتفع.

وأشارت إلى أن السكك الحديدية تعالج التحديات التي تواجه البنية التحتية للطرق، ومنها محدودية قدرتها على استيعاب الطلب المتزايد على النقل وصعوبة التوسع في إنشاء شبكات طرق جديدة، خاصة في المدن المزدحمة بالسكان، ما ينعكس إيجابًا على كفاءة حركة التجارة وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع وتعزيز النمو الاقتصادي الوطني.

وأكدت مجلي أن مشروع السكك الحديدية يحقق التنمية الإقليمية المتوازنة من خلال ربط المناطق الأقل تحضرًا بالمناطق الأعلى تحضرًا، بما يتيح لسكان تلك المناطق الوصول إلى فرص وظيفية أفضل والاستفادة من الخدمات الأساسية، إضافة إلى تسهيل الوصول إلى المواقع السياحية وتنشيط القطاع السياحي وزيادة العوائد الاقتصادية.

وعلى الصعيد البيئي، أوضحت أن القطارات تعد من أكثر وسائل النقل استدامة، إذ تسهم في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والملوثات مقارنة بوسائل النقل البري والجوي، مشيرة إلى أن خفض هذه الانبعاثات ينعكس إيجابًا على تقليل معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية وأمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات العصبية.

وأكدت أن المشروع يتوافق مع رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية (2023–2033)، التي تشير إلى أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية يمثل أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي، وتستهدف رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 5.6% سنويًا، واستقطاب استثمارات جديدة بمليارات الدنانير، وخلق نحو مليون فرصة عمل خلال السنوات العشر المقبلة.

وتشير الرؤية إلى أن قطاع النقل يواجه تحديات عدة، أبرزها ضعف ومحدودية البنية التحتية، والاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وضعف الأطر المؤسسية والتشريعية الناظمة للقطاع، وتحديات التمويل، إلى جانب نقص الكوادر البشرية المؤهلة، فيما يعد مشروع السكك الحديدية الوطنية أحد المشاريع الكبرى لتحقيق هذه المستهدفات.

وتؤكد التجارب الدولية أن الاستثمار في السكك الحديدية يمثل أحد أكثر الاستثمارات الحكومية مردودًا على المدى الطويل، إذ ساهمت شبكات القطارات الحديثة في دول مثل اليابان والصين وألمانيا والسعودية في تحسين كفاءة النقل وجذب الاستثمارات وزيادة الإنتاجية وخفض تكاليف الخدمات اللوجستية، وهي تجارب يمكن للأردن الاستفادة منها بما يتناسب مع موقعه الجغرافي الذي يؤهله ليكون مركزًا إقليميًا للنقل والتجارة بين آسيا وأوروبا والدول العربية.

بترا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى