جرش… حين يكون الإرث أكبر من أي منصة، وحين يكون الاختيار جزءًا من الرسالة

التاج الإخباري -

بقلم: د. علي الطراونة.

ليس مهرجان جرش مجرد سلسلة من الحفلات الفنية، ولا هو مناسبة موسمية تنتهي بانتهاء أمسياته. إنه ذاكرة وطن، وواجهة حضارية، ومنبر ثقافي حمل على مدى عقود رسالة الأردن إلى العالم، فجمع على مسارحه كبار الفنانين والمبدعين والشعراء والمفكرين، حتى أصبح اسمه مرادفًا للرقي، وأحد أهم المهرجانات الثقافية في المنطقة العربية.

ولذلك، فإن محبتنا لمهرجان جرش هي التي تدفعنا إلى الدفاع عنه، لا إلى مهاجمته. ولسنا ممن ينادون بإلغائه أو التقليل من أهميته، بل نؤمن بأنه إرث وطني يجب الحفاظ عليه وتطويره، لأنه يمثل جزءًا من الهوية الثقافية الأردنية، ويستحق أن يبقى منارة للفن الأصيل والإبداع الحقيقي.

لكن حب المهرجان لا يعني الصمت عن أي قرار قد لا ينسجم مع مكانته. فالمهرجان الذي صنع اسمه عبر عقود من الزمن، لا يليق به إلا ما يضيف إلى تاريخه، لا ما يثير الجدل على حساب قيمته الفنية والثقافية.

إن الجمهور الذي يقصد جرش لا يبحث عن الإثارة العابرة، بل يأتي احترامًا لاسم المهرجان، وثقةً بأن ما سيشاهده ينسجم مع تاريخه ورسالته. ومن هنا، فإن حسن اختيار الضيوف والفنانين ليس تفصيلًا إداريًا، بل مسؤولية ثقافية وأخلاقية تعكس رؤية القائمين على هذا الحدث الوطني.

قد يختلف الناس في الأذواق، وهذا أمر طبيعي، لكن هناك فرقًا بين احترام التنوع الفني، وبين تقديم عروض أو شخصيات لا يراها كثيرون منسجمة مع هوية مهرجان بُني على الجودة والرصانة والذائقة الرفيعة. فالقضية ليست في الأشخاص بحد ذاتهم، وإنما في مدى انسجام الاختيارات مع المكان الذي يقفون على مسرحه.

مهرجان جرش ليس منصةً عادية، بل اسمٌ صنعته قامات فنية وثقافية تركت أثرًا في الوجدان العربي، ولذلك فإن الوقوف على خشبته يجب أن يكون استحقاقًا يليق بقيمة هذا الصرح، لا مجرد مشاركة عابرة.

إن احترام ذوق الجمهور لا يقل أهمية عن احترام تاريخ المهرجان، فالمتابعون يستحقون برامج تليق بثقتهم، كما أن الإرث الثقافي يستحق أن يُصان باختيارات مدروسة تعزز صورة جرش، وتحافظ على هيبته، وترتقي بمستوى ما يُقدَّم على مسارحه.

ختامًا… سيبقى مهرجان جرش محل فخر لكل أردني وعربي يؤمن بقيمة الثقافة والفن، وسيبقى دعمنا له ثابتًا، لأننا نريد له أن يزداد تألقًا لا أن يفقد شيئًا من بريقه. فالنقد الصادق ليس هدمًا، بل هو دعوة مخلصة للحفاظ على مكانة مهرجانٍ استثنائي، حتى يبقى كما عرفناه دائمًا… عنوانًا للفن الراقي، وواجهةً مشرقةً للإرث الثقافي الأردني.

 




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى