الطراونة يكتب: سرقة المياه .. تتوجب إغلاق السوق على من يشتريها

التاج الإخباري -

بقلم: عبدالله موسى الطراونة

ما كشفته الجهات المختصة اليوم في محافظة العقبة من اعتداءات على مصادر وخطوط المياه وتعبئة صهاريج وبيع المياه بطرق غير مشروعة، يعيد التأكيد على أن قضية سرقة المياه لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مخالفات فردية أو تجاوزات محدودة، بل هي مشكلة تتطلب مراجعة شاملة لمنظومة بيع ونقل المياه والرقابة عليها.
فالمشكلة لا تبدأ فقط عند لحظة الاعتداء على خط مياه أو مصدر مائي، وإنما تستمر عندما تجد المياه المسروقة طريقها إلى السوق، وعندما يوجد من يشتريها دون التحقق من مصدرها أو قانونية الحصول عليها. ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بملاحقة من يسرق المياه فقط، بل بإغلاق المنافذ التي تسمح بتصريفها والاستفادة منها.
في دولة تُعد من أفقر دول العالم مائياً، فإن سرقة المياه ليست مخالفة عابرة، بل اعتداء مباشر على الأمن المائي الوطني وحقوق المواطنين.
فكل كمية مياه تُسحب بغير وجه حق تعني نقصاً في كميات المياه المخصصة للمشتركين الذين ينتظرون دورهم المائي اسبوعيا وربما شهريا بفارغ الصبر، وتعني في الوقت ذاته أن هناك من يستغل حاجة الناس لتحقيق مكاسب غير مشروعة من مورد وطني نادر.

ورغم أهمية الجهود التي تبذلها وزارة المياه والري وسلطة المياه في ضبط الاعتداءات وإزالة المخالفات بشكل متكرر ومتواصل ، فإن استمرار اكتشاف مثل هذه الحالات يؤكد الحاجة إلى الانتقال من معالجة الاعتداء بعد وقوعه إلى بناء منظومة رقابية تمنع حدوثه وتغلق جميع الطرق والمنافذ أمام تداوله.
إن تنظيم قطاع بيع المياه المنقولة بالصهاريج أصبح ضرورة، وذلك من خلال عدم السماح ببيع أو شراء أي كميات من المياه إلا من مصادر مرخصة ومعتمدة من الجهات الرسمية، ومنع تعبئة الصهاريج من أي مصدر غير قانوني، وإلزام جميع عمليات بيع ونقل المياه بإصدار فواتير أصولية من خلال نظام الفوترة الوطني الإلكتروني، بحيث تصبح كل كمية مياه قابلة للتتبع منذ خروجها من مصدرها وحتى وصولها إلى المستفيد النهائي.
كما ينبغي إخضاع الصهاريج الناقلة لمنظومة رقابة أكثر فاعلية، من خلال تحديد أوقات وأيام محددة لحركتها وعمليات التعبئة والنقل، بما يتيح للجهات المختصة مراقبتها بصورة أفضل، إضافة إلى إلزام أصحاب الصهاريج بتركيب أجهزة تتبع إلكترونية (GPS) مرتبطة بمنظومة رقابية مركزية، للتحقق من مسار كل صهريج، ومصدر المياه التي تم تعبئتها منه، ومكان تفريغها، ومطابقة هذه البيانات مع الفواتير الإلكترونية الصادرة.
وان تكون هذه الصهاريج خاضعة للترخيص والاجازة من وزارة المياه
ويمكن كذلك تعزيز هذه المنظومة من خلال منح كل صهريج رقماً تعريفياً موحداً ورمزاً إلكترونياً (QR Code) مثبتاً بشكل واضح عليه، يتضمن بيانات الترخيص ومالك الصهريج ومصدر التعبئة والجهات المسموح بالتعامل معها، بما يسهل عملية التدقيق ويمنع التلاعب، ويجعل حركة المياه أكثر شفافية وقابلية للتتبع.
ومن غير المقبول أو المنطقي أن تقوم فنادق أو مستشفيات أو مصانع أو مزارع أو أي مؤسسات تجارية أو خدمية بشراء المياه من مصادر غير مرخصة أو غير معروفة.
فهذه الجهات تمتلك من الإمكانات ما ٩يمكّنها من التحقق من مصدر المياه الذي تتعامل معه، ولا يجوز أن تكون جزءاً من سوق تغذي الاعتداء على الشبكات أو تشجع على استمرار سرقة المياه.
فالمسؤولية لا تقع على من يسرق المياه أو ينقلها بصورة غير مشروعة فقط، بل تمتد أيضاً إلى كل من يشتريها ويوفر لها سوقاً لتصريفها. فالمشتري الذي يتعامل مع مصدر غير قانوني لا يكون مجرد مستفيد، بل يساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استمرار هذه الظاهرة.
إن مكافحة سرقة المياه تستوجب بناء منظومة رقابية متكاملة تقوم على ترخيص مصادر بيع المياه، والفوترة الإلكترونية الوطنية، والرقابة الميدانية على الصهاريج، وتتبع حركتها إلكترونياً، ومساءلة كل من يتعامل مع المياه غير المشروعة، سواء كان بائعاً أو ناقلاً أو مشترياً.
ولا يعقل أن تُسرق المياه المخصصة للمواطنين الذين ينتظرون وصول دورهم المائي، ثم يعاد بيعها عبر السوق السوداء بأسعار مرتفعة. فهذه ليست مجرد مخالفة قانونية، بل اعتداء على حق المواطن، واستنزاف لمورد استراتيجي يمثل أحد أهم عناصر الأمن الوطني.
إن ما حدث في العقبة يجب أن يكون فرصة لإعادة النظر في آليات الرقابة على نقل وبيع المياه، فالنجاح في مواجهة هذه الظاهرة لا يتحقق فقط بضبط المعتدين، بل بإغلاق السوق التي تستقبل المياه المسروقة. فعندما تصبح كل عملية بيع موثقة، وكل صهريج معروف المصدر والوجهة، وكل مشترٍ ملزماً بإثبات قانونية مصدر المياه، ستتراجع هذه الظاهرة بصورة كبيرة.
المياه في الأردن ليست سلعة عادية يمكن الاتجار بها كيفما كان، بل هي ثروة وطنية وركيزة من ركائز الأمن المائي. وحمايتها مسؤولية مشتركة تتطلب تشريعات أكثر حزماً، ورقابة أكثر فاعلية، ومساءلة لا تستثني أحداً؛ من يسرق المياه، ومن ينقلها، ومن يشتريها، حتى تبقى هذه الثروة مصانة وتصل إلى مستحقيها بعدالة



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى