أداء اليمين الدستورية في الدورة الاستثنائية
التاج الإخباري -
بقلم: د. ليث نصراوين.قام النائب الجديد الذي جرى تسميته لملء المقعد النيابي الشاغر إثر سقوط عضوية النائب السابق حسن الرياطي اليمين الدستورية في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى توافق هذا الإجراء مع أحكام الدستور، لا سيما أن مجلس النواب يعقد دورة استثنائية يقيده الدستور خلالها بمناقشة الموضوعات الواردة في الإرادة الملكية التي دعي بموجبها إلى الانعقاد.
وتقتضي الإجابة عن هذا التساؤل الرجوع إلى المادة (82/3) من الدستور التي تنص على أنه "لا يجوز لمجلس الأمة أن يبحث في أية دورة استثنائية إلا في الأمور المعينة في الإرادة الملكية التي انعقدت تلك الدورة بمقتضاها". ويستفاد من هذا النص أن اختصاصات مجلسي الأعيان والنواب خلال الدورة الاستثنائية تنحصر في الموضوعات التي حددتها الإرادة الملكية، فلا يجوز لهما بحث موضوعات تشريعية أو رقابية لم تتضمنها.
غير أن القيد الوارد في المادة (82/3) ينصرف إلى "البحث" في الموضوعات، أي مناقشتها أو اتخاذ قرارات بشأنها، ولا يمتد إلى الإجراءات الدستورية التي يفرضها الدستور ذاته. فأداء اليمين الدستورية لا يعد موضوعا مطروحا للبحث أو المداولة، وإنما هو استحقاق دستوري تفرضه المادة (80) من الدستور، التي أوجبت على كل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أن يقسم اليمين الدستورية أمام مجلسه قبل الشروع في عمله، مما يجعل اليمين شرطا لازما لاكتساب العضو حق ممارسة اختصاصاته النيابية.
وبالتالي، فإن أداء القسم لا يمثل عملا تشريعيا أو رقابيا يمارس فيه المجلس إحدى صلاحياته الدستورية، وإنما يعد تنفيذا مباشرا لحكم دستوري مستقل. فالمجلس لا يناقش اليمين، ولا يُصوت عليها، ولا يملك قبولها أو رفضها، وإنما يقتصر دوره على تلقيها وإثباتها في محضر الجلسة.
ويعزز هذا التفسير ما جرى عليه العمل الدستوري بالنسبة لأعضاء مجلس الأعيان، حيث أدى بعض الأعضاء الجدد اليمين الدستورية خارج جلسات المجلس عندما لم يكن المجلس منعقدا، ودون الحاجة إلى عقد جلسة رسمية تحت القبة. فهذه الممارسة تكشف أن اليمين الدستورية لا ترتبط بطبيعتها القانونية بجدول أعمال المجلس أو بوجود موضوع معين قيد المناقشة، وإنما تعد إجراء دستوريا مستقلا، غايته تمكين العضو الجديد من مباشرة اختصاصاته فور استكمال متطلبات عضويته.
كما يتفق هذا التفسير مع أحكام المادة (88) من الدستور التي وضعت إطارا زمنيا محددا لملء الشاغر في مجلس النواب، حيث أوجبت على المجلس النيابي أن يقوم بإشعار الهيئة المستقلة للانتخاب بحدوثه خلال ثلاثين يوما، وعلى الهيئة تسمية النائب الذي يليه خلال ستين يوما، على أن تستمر عضويته حتى انتهاء مدة المجلس. ويكشف هذا التنظيم الدستوري عن اتجاه واضح لدى المشرع الدستوري لضمان سرعة استكمال تشكيل مجلس النواب وعدم تعطيل تمثيل الدائرة الانتخابية، وهو ما يتعارض مع القول بعدم جواز أداء اليمين خلال الدورة الاستثنائية لمجرد أن هذا الإجراء لم يرد ضمن الموضوعات المحددة في الإرادة الملكية.
ولو أخذ بهذا الرأي، لتعذر على النائب الجديد مباشرة مهامه طوال مدة انعقاد الدورة الاستثنائية، رغم اكتمال صفته النيابية، وهو ما يؤدي إلى تعطيل تمثيل الدائرة الانتخابية دون سند دستوري صريح. كما أن استصدار إرادة ملكية جديدة لإضافة هذا الموضوع إلى جدول أعمال الدورة الاستثنائية قد يستغرق وقتا، رغم أن الدستور لا يفرض مثل هذا الإجراء.
إن ما جاءت به المادة (82/3) من الدستور من قيد على مجلس الأمة في الدورات الاستثنائية هو استثناء على الأصل العام، وأن القاعدة الأساسية في التعامل مع القيود التي ترد على ممارسة الاختصاصات الدستورية أن يجري تفسيرها تفسيرا ضيقا، وألا يمتد أثرها إلى حالات لم ينص عليها الدستور صراحة.
وعليه، فإن التفسير الدستوري السليم يقود إلى أن القيد الوارد على أعمال مجلس النواب في الدورة الاستثنائية يتعلق بممارسة اختصاصاته التشريعية والرقابية، أما أداء اليمين الدستورية فهو استحقاق دستوري لازم لاكتساب العضو حق مباشرة مهامه النيابية، ولا يعد موضوعا مطروحا للبحث أو المناقشة. ولذلك، فإن أداء النائب الجديد اليمين الدستورية خلال الدورة الاستثنائية جاء متفقا مع أحكام الدستور، ويجسد تطبيقا سليما لمبدأ التفسير المتكامل للنصوص الدستورية، الذي يقتضي إعمال جميع أحكام الدستور بصورة منسجمة دون تعطيل أي منها.
الرجاء الانتظار ...