من الصبر إلى الجسارة الإستراتيجية .. واشنطن وطهران عالقتان بين الثأر والأيديولوجيا

التاج الإخباري -

بقلم: د. منذر الحوارات .


لم تجد الولايات المتحدة وإسرائيل صعوبة لوجستية كبيرة في اغتيال المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي وعدد من القيادات الإيرانية، لكن الصعوبة الحقيقية بدأت بعد الاغتيال، فالقناعة الأميركية بأن القضاء على رأس النظام قد يفتح الطريق أمام قيادة أكثر قبولاً بالشروط الأميركية، سرعان ما تبددت، لقد انتهت مرحلة طويلة من الحكم القائم على الصبر والحذر، وبدأت مرحلة تقودها سلطة جديدة تبحث عن الشرعية وسط حرب مفتوحة، ومؤسسات مضطربة، وتصاعد واضح لنفوذ الحرس الثوري.


لم يكن خامنئي معتدلاً، لكنه كان يعرف حدود القوة الإيرانية، ويدرك أين تنتهي القدرة على التصعيد وأين تبدأ المخاطر الوجودية، لم يكن رجل تسويات بالمفهوم التقليدي، لكنه أتقن إدارة ثوابت النظام، في مقدمتها بقاؤه، واستمرار مشروعه الثوري، وتوسيع نفوذه الإقليمي، وتجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة.
كانت إيران في عهده تتحرك عند حافة الصدام، لكنها لا تتجاوزها، تستخدم الحلفاء والوكلاء، وتمتص الضربة، وتؤجل الرد، وتختار ساحة أقل خطورة، ثم تحول نتائج المواجهة إلى ورقة تفاوض، وما بدا أحياناً تخادماً إيرانياً أميركياً، كان في حقيقته تفاهماً ضمنياً على حدود الاشتباك، واشنطن تعرف مقدار الضغط الذي تستطيع ممارسته من دون دفع طهران إلى حرب شاملة، وطهران تدرك ما يمكنها فعله من دون استدعاء ضربة تهدد بقاء النظام.
أما بعد اغتيال المرشد، فقد صعدت مؤسسات كانت في المرتبة الثانية إلى مركز القرار، وفي مقدمتها الحرس الثوري والباسيج والأجهزة الأمنية، وفي المقابل، وصل مرشد جديد يمتلك الصفة الدستورية، لكنه لا يمتلك بعد الهيبة التاريخية أو الخبرة السياسية أو الشرعية الشخصية التي امتلكها والده، ما عزز الاعتقاد بأن مركز الثقل الحقيقي انتقل بصورة أكبر إلى الحرس الثوري.

ويواجه المرشد الجديد امتحانين قاسيين، أولهما إثبات قدرته على حماية النظام، والثاني الرد على اغتيال والده وسلفه، فعدم الرد قد يُقرأ داخل مؤسسات الحكم باعتباره ضعفاً شخصياً وانهياراً للردع، ولهذا تحول الثأر من شعار تعبوي إلى قيد على القرار السياسي والعسكري، وارتبطت شرعية القيادة الجديدة بإظهار القدرة على الانتقام.
من هنا انتقلت إيران من الصبر الإستراتيجي إلى الجسارة الإستراتيجية، وهذه الجسارة لا تعني فائضاً في القوة، بقدر ما تعني استعداداً لاستخدام أدوات مرتفعة المخاطر، بعد أن فقدت طهران كثيراً من وسائلها الأقل كلفة.
فقد أدى سقوط نظام الأسد إلى إضعاف أحد أهم مسارات الإمداد إلى حزب الله، الذي تعرض بدوره لضربات قلصت قدرته على العمل بوصفه قوة الردع الإقليمية الأهم لإيران. وفي العراق، تصاعدت الضغوط على الجماعات المسلحة الموالية لطهران، بينما فرضت الترتيبات الأميركية قيوداً على الجبهة الحوثية. ونتيجة لذلك، عادت إيران إلى أدواتها المباشرة، الصواريخ والمسيّرات، وتهديد دول الجوار، والضغط على منشآت الطاقة، وتعطيل الملاحة، والاقتراب أكثر من الورقة النووية.
وهنا يبرز مضيق هرمز باعتباره أهم أوراق إيران المتبقية، فمن خلال تهديد الملاحة، تستطيع طهران رفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، لكن هذه الورقة تحمل تناقضاً واضحاً، فهي قد تبدو تكتيكياً ضربة للنفوذ الأميركي، إلا أنها إذا استمرت ستتحول إلى ضغط على الاقتصادات الآسيوية، وفي مقدمتها الصين، أكثر مما هي ضغط على الولايات المتحدة التي تمتلك إنتاجاً محلياً وقدرة أكبر على تنويع مصادر الطاقة.
ويبقى الخيار الأخطر هو انتقال إيران من دولة عتبة نووية إلى دولة تمتلك السلاح النووي، وقد ترى طهران في ذلك وسيلة لحماية النظام وإعادة بناء الردع، لكن هذا الخيار قد يستدعي ضربات أميركية وإسرائيلية أوسع، ويفتح الباب أمام سباق نووي إقليمي، ومعضلة واشنطن أنها تستطيع تدمير المنشآت المعروفة، لكنها لا تستطيع ضمان القضاء على جميع المواد المخصبة أو المواقع السرية، ما يعني أنها قادرة على تأخير البرنامج، لا ضمان إنهائه.

في المحصلة، لا تبدو إيران منتصرة، ولا مهزومة ومستعدة للاستسلام، لقد فقدت بعض أدواتها القديمة، وانتقلت إلى قيادة تحتاج إلى الثأر لتثبيت شرعيتها، وإلى إنجاز خارجي لتبرير بقائها، وفي المقابل، لا تستطيع الولايات المتحدة السماح لإيران بالهيمنة على هرمز أو امتلاك السلاح النووي، لكنها لا تمتلك تصوراً آمناً لما بعد إضعاف النظام أو سقوطه.
وهكذا أصبح الصراع بين قوة عظمى لا تريد كسر هيبتها، ونظام ثوري يرى في التراجع تهديداً مباشراً لوجوده، والمفارقة أن اغتيال خامنئي أزال قائداً كان مسؤولاً عن معظم سياسات التوسع الإيراني، لكنه أزال معه أيضاً خبرة طويلة في معرفة متى يجب وقف التصعيد، لذلك فإن الجسارة الإيرانية الجديدة ليست بالضرورة دليلاً على القوة، بل ربما تكون التعبير الأكثر وضوحاً عن ضيق الخيارات والخوف من السقوط.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى