الأردن تحت ضغط الأزمات .. حين تتحول الجغرافيا إلى كلفة اقتصادية بشهادة "الإسكوا"
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.في منطقة لا تهدأ فيها الأزمات، يدفع الأردن ثمناً لا يرتبط بحجم اقتصاده أو موارده وحسب، بل بموقعه الجغرافي ودوره في محيط إقليمي مليء بـ "التوترات"، فكل أزمة تضرب المنطقة تترك انعكاساتها على المملكة، وتضعها أمام اختبار جديد عنوانه الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في ظل ضغوط متزايدة.
الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران شكلت نموذجاً جديداً لحجم الأعباء التي يتحملها الأردن، بعدما أظهرت تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا" أن المملكة تتحمل أعلى كلفة مالية إضافية بين الدول العربية نسبة إلى حجم اقتصادها، نتيجة الإجراءات التي اتخذتها لاحتواء تداعيات الحرب والتخفيف من آثارها على المواطنين.
هذه الكلفة تعكس واقع دولة تحاول الموازنة بين حماية مواطنيها من ارتفاع الأسعار، والحفاظ على استقرار الأسواق، وعدم السماح للأزمات الخارجية بأن تتحول إلى أعباء معيشية إضافية.
في مقدمة هذه الضغوط جاء قطاع الطاقة، الذي كان الأكثر تأثراً، فتعطل إمدادات الغاز دفع الأردن إلى الاعتماد على بدائل أكثر كلفة لتأمين احتياجات الكهرباء، وهو ما رفع "فاتورة الطاقة" بشكل كبير.
ومع ذلك، اختارت الحكومة عدم تحميل المواطن كامل هذه الزيادة، وأبقت على تعرفة الكهرباء دون تغيير، كما لم تعكس الارتفاعات العالمية في أسعار المحروقات بشكل كامل على السوق المحلية.
هذا القرار لم يكن سهلاً، فالفارق بين الكلفة الحقيقية وما يدفعه المواطن تتحمله خزينة الدولة، في وقت تواجه فيه المالية العامة تحديات متعددة، لكن المعادلة كانت واضحة: حماية الاستقرار الاجتماعي وتقليل آثار الأزمة على الأسر، حتى لو كان الثمن مزيداً من الضغوط على الموازنة.
ولم يكن قطاع الطاقة وحده في دائرة المواجهة، فالأردن أدرك مبكراً أن الأزمات العالمية قد تضرب سلاسل التوريد، ولذلك عمل على تعزيز مخزونه الاستراتيجي من السلع الأساسية، خصوصاً القمح، لضمان استمرار توفر المواد الغذائية وعدم ترك الأسواق رهينة للتقلبات الخارجية.
لكن ما يميز التعامل الأردني مع هذه الأزمات أن المواجهة لم تقتصر على الإجراءات الطارئة، بل امتدت إلى محاولة ضبط الإنفاق العام وترشيد المصاريف، عبر تقليص بعض النفقات الحكومية، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات المرحلة والحفاظ على قدرة الدولة على الاستمرار بتقديم خدماتها الأساسية.
الأردن اليوم لا يواجه أزمة واحدة، بل سلسلة متراكمة من التحديات التي فرضتها ظروف المنطقة، فمنذ سنوات، تحملت المملكة أعباء كبيرة نتيجة الأزمات المحيطة بها، من تداعيات اللجوء إلى تأثيرات الحروب واضطرابات الطاقة والأسواق العالمية.
ورغم أن الاقتصاد الأردني ليس من الاقتصادات الكبرى، إلا أن قدرته على امتصاص الصدمات أثبتت أن الاستقرار كان دائماً أولوية تتقدم على الحسابات المالية قصيرة المدى، فالحفاظ على أسعار مستقرة، وتأمين السلع، وضمان استمرار الخدمات، كلها قرارات لها كلفة، لكنها في المقابل تمثل استثماراً في الأمن الاجتماعي.
باختصار .. الأردن يدفع جزءاً كبيراً من فاتورة أزمات لم يكن طرفاً فيها، لكنه في كل مرة يحاول منع وصول ارتداداتها إلى المواطن، في مواجهة مستمرة عنوانها الحفاظ على الاستقرار وسط إقليم "على صفيح ساخن".
الرجاء الانتظار ...