المشاقبة يكتب: الشهيد الملك المؤسس عبدالله الأول .. شهيد الأقصى

التاج الإخباري -

بقلم: أ.د. أمين مشاقبة.

الأمير عبدالله بن الحسين بن علي بن عون، وُلِدَ في مكة المكرمة في 2 شباط 1882، وهو الابن الثاني للشريف علي، وإخوته: عبدالله، فيصل، وزيد. عاش جزءًا من سني عمره في الإستانة، حيث نُفي والده الشريف حسين بن علي عام 1893، وبقي في النفي 16 سنة. وقد عيَّنه السلطان العثماني في 1 تشرين الثاني 1908 أميرًا لمكة (إمارة الحجاز). وعندما وصل الطائف، كان في استقباله الأشراف الهاشميون، وعلى رأسهم الأمير زيد بن شاكر الأول. وبقي ثلاث أيام في الطائف، إلى أن تركها متجهًا إلى مكة المكرمة، ورافقهم الأمير شاكر وجمع غفير من الأشراف. شارك الأمير عبدالله في الثورة العربية الكبرى في 9 حزيران 1916، وقُسِّمت الجيوش العربية إلى أربعة جيوش، قاد الأمير الجيش الشرقي، ويساعده الأمير شاكر، وقاعدته في منطقة العيص شمال غرب المدينة المنورة. وهدفت الثورة العربية الكبرى ضد الأتراك إلى تحرير البلاد العربية وتوحيدها وتأسيس دولة عربية مُستقلة، دولة تقوم على الوحدة والحرية والحفاظ على الدين. وشارك أحرار العرب من الأقطار كافة في حرب التحرر والاستقلال.

إلا أن الأطماع الاستعمارية لبريطانيا وفرنسا كان هدفها اقتسام البلاد العربية، إذ صدر اتفاق سايكس - بيكو عام 1917، ووعد بلفور لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين. نجحت الثورة العربية في دحر القوات التركية، وسيطر الأمير فيصل على سوريا، وأعلن قيام الدولة الفيصلية كحكم عربي يجمع سوريا الطبيعية (سوريا، لبنان، الأردن، وفلسطين)، إلى أن دخلت القوات الفرنسية دمشق بقيادة الضابط غورو، وحصلت معركة ميسلون في 24 يوليو 1920. وطلبت الحكومة الفرنسية من الأمير فيصل مغادرة دمشق، وعلى أثرها اتصل أحرار العرب بالشريف حسين لإرسال أحد أبنائه لتحرير سوريا، فتم إرسال الأمير عبدالله بن الحسين، الذي جهز جيشًا لمحاربة الفرنسيين. ووصل الأمير عبدالله مدينة معان في 5 تشرين الثاني سنة 1920 من أجل طرد المعتدين الفرنسيين. ولم تتخذ الإنجليز أية إجراءات ضد نوايا عبدالله المُعلنة. وبحلول شهر كانون الثاني 1921، أُشيع في الكرك أنه كان يتقدم على رأس ألفي خيَّال ورجل باتجاه المدينة، وقد رحَّب المستشار البريطاني كركبرايد بالأمير عبدالله في شرق الأردن، وتقدم شمالًا إذ لقي استقبالًا شعبياً في الجيزة من شيوخ العشائر الأردنية وحشد كبير من الوجهاء، ثم وصل السلط وسكن في بيت سعيد أبو جابر لفترة وجيزة، وانتقل إلى عمَّان في منطقة ماركا إذ استقر هناك.

وقد عُقد اجتماع بين وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل في 27-3 آذار 1921، وتم الاتفاق على عدّة نقاط هي: أن يعترف بالانتداب البريطاني على شرق الأردن، وأن يمتنع عن القيام بأية أعمال حربية ضد الفرنسيين في سوريا، وأن يتخلى عن المُطالبة بعرش العراق، وأن يتعهد بالحفاظ على أمن واستقرار شرق الأردن ويُؤسس حكومة عربية سُمِّيَت أولاً حكومة الشرق العربي، ثم إمارة شرق الأردن، ويقبل بوجود مندوب سامٍ بريطاني كمستشار للحكومة الجديدة، ويتعهد البريطانيون بالاعتراف باستقلال البلاد في مرحلة لاحقة، وتقدم الحكومة البريطانية مُساعدة مالية للحكومة الجديدة. على أثرها سعى الأمير عبدالله لتوحيد البلاد، وإلغاء الحكومات المحلية التي أُنشئت في بداية الانتداب عام 1920، وتشكيل حكومة مركزية عاصمتها عمَّان، والحفاظ على الأمن والاستقرار، وإلغاء الغزوات، وعمل الأمير على ذلك من خلال سياسة الاحتواء وبناء التكامل الاجتماعي وحل النزاعات والخلافات العشائرية. ونظَّم الأمير عمله على أسس هي: إقناع مختلف فئات الشعب بالقبول بالحكومة المركزية، وإقامة الأمن والنظام على أرجاء البلاد، وإيقاف الغارات من الصحراء. وشكَّل أول حكومة بقيادة رشيد طليع من خمسة معاونين أو نُظَّار أو مدراء، إذ لم يكن لقب الوزير قد برز.

وقد استطاع سمو الأمير آنذاك عقد اتفاقية في نيسان عام 1923، اعترفت بريطانيا بموجبها بالحكم الذاتي للإمارة على أساس أنها إدارة مُستقلة ومُنفصلة عن فلسطين، هادفًا منع الهجرات اليهودية إلى شرق الأردن، ومنع إدخال البلاد ضمن إطار وعد بلفور، وهذا إنجاز سياسي مُميز. واتخذ الأمير بعض الإجراءات لتقوية أسس الإمارة الجديدة، وهي:

أولاً: إضفاء الطابع المركزي للحكومة تحت سيطرته الشخصية.

ثانياً: بناء جيش قوي لحفظ الأمن، بدأ ذلك من العام 1923.

ثالثاً: تعبئة الشعب، ولا سيما العشائر، لقبول الإمارة الجديدة. فرضت بريطانيا المعاهدة الأولى عام 1928، ولم يكن للأردن رأي بها، وعلى أثرها تم إصدار القانون الأساسي لعام 1928، وعليه تأسس أول مجلس تشريعي سنة 1929، حيث انتخب 14 عضوًا بطريقة الانتخاب غير المباشر، وعيَّن الأمير اثنين من شيوخ العشائر ليبلغ المجلس 16 عضوًا. وقد كانت هناك طموحات وحدوية لدى الأمير في توحيد بلاد الشام/سوريا الطبيعية، ولمنع التوسع الصهيوني، فقد أطلق مبادرتين عامي 1935-1942 لتلك الغاية، إلا أن الاستعمار عارض ذلك. وشهدت البلاد إنجازات عديدة في مجالات الصحة، والتعليم، والطرق والحياة العامة بشكل سريع ومتكامل، فالمؤسس الملك عبدالله لم يألُ جهدًا، وقد عمل جاهدًا على استقلال البلاد من الانتداب البريطاني، إذ بدأ عهد الاستقلال بمعاهدة التحالف التي عُقدت في 25 نيسان 1946، وأجرى مفاوضات دامت أكثر من ثلاث أشهر للحصول على الاستقلال في 25 أيّار 1946، وتحولت الإمارة إلى المملكة الأردنية الهاشمية بإعلان وثيقة الاستقلال.

وشكلت القضية الفلسطينية محورًا أساسيًا في سلوكه السياسي، إذ وقف ضد الهجرات اليهودية إلى فلسطين، مدافعًا شرسًا عن الحقوق العربية المشروعة، ضد قيام دولة يهودية، وشارك في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948، واستطاع الحفاظ على القدس الشريف والضفة الغربية التي توحدت مع الأردن على أثر مؤتمر أريحا عام 1950 كوديعة لدى الهاشميين إلى أن يتم التحرير. وفي عهده تأسَّس البرلمان الأردني الأول عام 1946، وأصدر الدستور في 1 شباط 1947. وحلَّ المجلس النيابي الأول عام 1950 من أجل إجراء انتخابات وتمثيل أقضية الضفة الغربية، وحلت الحكومة وضُمَّ أربعة وزراء يمثلون الضفة الغربية. وفي زيارته في 20 تموز 1951، أُغتيل على عَتبات المسجد الأقصى الشريف، وانتقل الحُكم إلى ابنه الأكبر الأمير طلال الذي أصبح ملكًا للبلاد. ونحن أمام شخصية مُحنَّكة سياسيًا، أرسى دعائم بناء الأردن الحديث، مثابرًا على البناء والعطاء، وتحدى العديد من المصاعب التي واجهت بناء الدولة الفتية، فهو الملك المؤسس وشهيد فلسطين، الذي اغتالته أيادي الغدر والخيانة.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى