القانون بريء .. فابحثوا عن التطبيق
التاج الإخباري -
بقلم: د. علي الطراونة.كلما واجه المواطن إجراءً معقدًا، أو تأخرت معاملته، أو اصطدم بمتطلب لم يكن يتوقعه، كان أول المتهمين هو القانون. حتى أصبحت عبارة: “القانون هو السبب” تتردد كثيرًا، وكأن التشريعات الأردنية وُضعت لتكون عائقًا أمام المواطن، لا وسيلة لتنظيم حياته وحماية حقوقه.
لكن، هل المشكلة فعلًا في القانون؟
من وجهة نظري، فإن الإجابة في كثير من الأحيان هي: لا.
لقد نجح الأردن، على مدار عقود، في بناء منظومة تشريعية تحظى باحترام المختصين، وتقوم على أسس دستورية راسخة، وتواكب في كثير من جوانبها التطورات القانونية الحديثة. وليس من قبيل المبالغة القول إن العديد من القوانين الأردنية صيغت بعناية، وحققت توازنًا بين حماية الحقوق، وصيانة المصلحة العامة، وتنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن.
ومع ذلك، لا يزال جزء من الرأي العام يحمل القانون مسؤولية كل عقبة يواجهها، بينما تكمن المشكلة في كثير من الأحيان في مكان آخر.
فالناس غالبًا لا تفرق بين القانون والأنظمة والتعليمات التنفيذية. فالقانون يضع المبادئ والقواعد العامة، أما الأنظمة والتعليمات فهي التي تحدد آليات التنفيذ والتفاصيل الإجرائية. وهنا قد تبدأ المشكلة.
فقد تُضاف متطلبات إجرائية، أو تتعدد النماذج، أو تتكرر الموافقات، أو تزداد الوثائق المطلوبة، فيشعر المواطن بأن القانون معقد، بينما يكون التعقيد ناتجًا عن آلية التنفيذ، لا عن النص القانوني نفسه. ولا يعني ذلك أن الأنظمة والتعليمات غير مهمة؛ فهي جزء أساسي من المنظومة التشريعية، لكنها تحتاج دائمًا إلى مراجعة مستمرة لضمان أنها تحقق غايتها دون أن تتحول إلى عبء إداري يرهق المواطن ويستهلك وقته وجهده.
أما العامل الأهم، فهو الإنسان الذي يطبق القانون.
فالقانون، مهما بلغت جودة صياغته، يظل نصًا جامدًا حتى يأتي من يطبقه. وهنا يظهر الفارق الحقيقي. فالموظف الذي يدرك روح القانون إلى جانب نصه، ويتعامل مع المراجع باحترام، ويستخدم الصلاحيات التي يتيحها النظام بحكمة، يجعل القانون وسيلة لتحقيق العدالة وتيسير الخدمة. وفي المقابل، فإن التطبيق المتشدد، أو التفسير الضيق، أو التمسك بإجراءات يمكن تبسيطها، قد يجعل المواطن يخرج بانطباع سلبي عن القانون، رغم أن القانون نفسه لم يكن سببًا في معاناته.
ومن هنا، فإن نجاح أي تشريع لا يقاس بجمال صياغته فقط، وإنما بمدى سهولة تطبيقه، وكفاءة الجهات المنفذة له، وقدرتها على تحقيق الغاية التي شُرع من أجلها.
إن النقد حق، بل هو ضرورة لتطوير التشريعات، لكن العدالة تقتضي أن يكون النقد موجهًا إلى موضع الخلل الحقيقي. فإذا كان النص القانوني يحتاج إلى تعديل، فليُعدل. وإذا كانت الأنظمة والتعليمات بحاجة إلى تبسيط، فلتُراجع. وإذا كان الخلل في التطبيق، فالعلاج يكون بالتدريب، ورفع الكفاءة، وتعزيز ثقافة الخدمة العامة، وترسيخ مبدأ أن تطبيق القانون يجب أن يحقق العدالة، لا أن يضيف مشقة لا يفرضها القانون نفسه.
إن المواطن لا يبحث عن معاملة استثنائية، ولا يطلب تجاوزًا للقانون، بل يريد قانونًا واضحًا، وإجراءات معقولة، وتطبيقًا عادلًا يحترم كرامته ووقته. وعندما تجتمع هذه العناصر، تتحول القوانين من نصوص على الورق إلى أدوات لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي النهاية، قد يكون من الإنصاف أن نتوقف قليلًا قبل أن نوجه أصابع الاتهام إلى القانون. فليس كل ما يرهق المواطن سببه التشريع، وليس كل تعقيد مصدره النص القانوني. ففي أحيان كثيرة، يكون القانون بريئًا، بينما تكمن المشكلة في التعليمات التي أحاطت به، أو في الطريقة التي اختار البعض أن يطبقه بها.
الرجاء الانتظار ...