النبر يكتب: القانون المعدل لقانون الملكية العقارية
التاج الإخباري -
بقلم: عمر النبر( نائب سابق ورئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية الأسبق)جاء في الأسباب الموجبة لتعديل قانون الملكية العقارية أن الهدف هو تسهيل إجراءات التحول الرقمي وتطوير البيئة الاستثمارية وغيرها، لكن ما خفي في هذا القانون هو ما يجب التنبه له.
فقد جاء في المادة (11) من الدستور الأردني أنه: "لا يُستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل".
والتعويض العادل يقرره القضاء النزيه، الذي يستعين بالخبراء والمقدّرين العقاريين، بأعداد تختلف حسب درجة التقاضي، وقد تصل إلى ثلاثة أو خمسة خبراء، حتى لا يُظلم المواطن ولا تُظلم الجهة المستملكة، وذلك لتحديد القيمة السوقية للعقار المستملك، والتي تختلف عن السعر الإداري المعتمد لدى دائرة الأراضي والمساحة، سواء كانت الجهة المستملكة حكومية أو أهلية، مثل البلديات.
وجاءت المادة (28) من القانون المعدل المعروض على مجلس النواب، بتعديل الفقرة (ب) من المادة (190) من قانون الملكية العقارية الأصلي، لتنص على أنه لا يجوز أن يزيد مقدار التعويض المدفوع عن الاستملاك عن نسبة 10% من السعر المعتمد لدى دائرة الأراضي كحد أعلى (أي 10% فوق السعر الإداري).
أما أن تتم زيادة هذه النسبة على السعر الإداري من قبل الجهة المستملكة بالتراضي (المادة 27 من القانون المعدل)، أو بعد اللجوء إلى القضاء، فإن ذلك في معظم الأحيان يشكل إجحافاً كبيراً بحق المواطن، إذ يكون السعر الإداري في كثير من الحالات أقل بكثير من السعر الحقيقي للعقار، وهذا يعد هدراً لحق دستوري للأسباب التالية:
أولاً: إن تعديل السعر الإداري في سجلات دائرة الأراضي لا يتم بصورة مستمرة، وإنما مرة كل ثلاث سنوات أو عند الاعتراض.
ثانياً: لا يتم تعديل السعر الإداري إلا بموافقة مدير عام دائرة الأراضي والمساحة، وهو معين من قبل الحكومة، وبذلك تثار شبهة دستورية حول هذه المادة، لأنها قد تسلب المواطن عقاره دون أن يفصل القضاء في السعر الحقيقي للعقار، إلا ضمن سقف زيادة لا يتجاوز 10%.
كما أن تقييد سلطة القضاء وفرض حد أعلى للتعويض يُعد تدخلاً في صلاحياته.
ثالثاً: إن عدم تمكين القضاء من تقدير التعويض بصورة كاملة، أو تقييد صلاحياته بنسبة محددة، هو أمر لا يوجد إلا في عدد محدود جداً من دول العالم، وهي كوريا الشمالية والصين وفيتنام وناميبيا وكوبا.
ومن المستغرب جداً التفكير في فرض مادة قانونية تتعدى على السلطة القضائية، وقد تكون مجحفة في كثير من الأحيان. صحيح أن القيمة الإدارية قد تزيد أحياناً على القيمة السوقية، وقد تضر الجهة المستملكة، إلا أنها في أغلب الحالات، وخاصة في المحافظات، تكون أقل بكثير من القيمة السوقية.
رابعاً: إن تعريف القيمة الإدارية هو أنها القيمة المحتسبة لغايات الرسوم والضرائب فقط، وليس لغايات الاستملاك، فكيف تكون الجهة التي وضعت هذه القيمة هي صاحبة الرأي النهائي في تحديد ثمن العقار المستملك؟ وبأي حق؟
إن القيمة الإدارية تُعدّل مرة كل ثلاث سنوات أو حسب الطلب، وقد وُضعت أصلاً لغايات احتساب الضرائب والرسوم، أما القيمة السوقية فهي القيمة الحقيقية للعقار في يوم الاستملاك.
وهنا أورد بعض الأمثلة على الفرق بين القيمة الإدارية والقيمة السوقية، مع العلم أن هناك مئات الأمثلة، ومنها:
قطعة رقم (...)، حوض (2) القسطل: السعر الإداري 20 ديناراً للمتر، بينما السعر السوقي الفعلي 35 ديناراً للمتر.
قطعة (...)، حوض (1) اليادودة: السعر الإداري 140 ديناراً، بينما سعر السوق 250 ديناراً.
قطعة رقم (1078)، قرية المطبة، حوض الحمد والقضاة: السعر الإداري دينار واحد للمتر، بينما سعر السوق 3 دنانير للمتر المربع.
أراضي الموقر، قرية الذهيبة الغربية، حوض الذهيبة الشمالية، قطعة رقم (1078): السعر الإداري 6 دنانير للمتر، بينما سعر السوق 20 ديناراً للمتر.
وبإمكاني تقديم مئات الأمثلة التي يكون فيها السعر الإداري غير معبر عن القيمة الحقيقية، فقد يصل في بعض الأحيان إلى ثلث السعر الحقيقي، أو يكون أقل بنسبة 50% أو أكثر.
والسؤال هنا: هل بقي لبعض المواطنين غير أرضهم أو عقاراتهم؟ وهل نقول لقضائنا النزيه إن مهمته قُيّدت وأصبحت تقتصر على زيادة 10% فقط على السعر الذي وضعته دائرة الأراضي من خلال القيمة الإدارية؟
إن كثيراً من قرارات محكمة التمييز المتعلقة بالاستملاك تستأنس بالقيمة الإدارية لدائرة الأراضي، لكنها لا تعتمدها وحدها كأساس للتقييم، وإنما تأخذ أيضاً بآراء الخبراء، وهناك قرارات واضحة لمحكمة التمييز تؤكد أن القيمة الإدارية لا يمكن أن تكون وحدها المؤشر على ثمن العقار.
وفي هذا القانون مواد أخرى تنطوي على إجحاف، وقد تلحق الضرر بحقوق المواطنين.
فالمادة (2) من القانون المعدل أضافت السكك الحديدية إلى الربع القانوني الذي يجوز استملاكه من المواطن دون تعويض، في حين كان المواطن سابقاً يُعوّض عن كامل قيمة الجزء المستملك للسكك الحديدية، وذلك لأن هذا النوع من الاستملاك يضر بالأرض أكثر من استملاك الشوارع أو الحدائق، إذ يوجد حرم للسكة الحديدية يمنع البناء عليه، ما يؤثر في واجهة الأرض، وهي عادة الأعلى قيمة، ويمنع استغلالها من قبل مالكها بسبب مرور السكة فيها.
ومع هذا التعديل، أصبحت السكك الحديدية تدخل ضمن الربع القانوني المجاني الذي لا يعوض عليه المواطن.
المادة (29):
تكمن خطورة هذه المادة في أنها تسمح للجهة المستملكة بإقامة أي مرفق عام، مثل مدرسة أو مخفر أو حسبة أو مقبرة، داخل المساحة المستملكة لغايات النفع العام، مما قد يضر بالأرض المتبقية، خاصة إذا كانت ذات موقع استراتيجي، إذ إن إقامة مرفق عام فيها قد يؤدي إلى انخفاض قيمتها.
صحيح أن هناك اجتهادات لمحكمة التمييز أجازت ذلك في بعض الحالات، إلا أن النص عليه صراحة في القانون قد يلحق ضرراً بالمواطنين، لأن الشارع أو الحديقة عادةً يرفعان قيمة الأرض، بينما قد يؤدي إنشاء مرفق عام كمقبرة أو غيرها إلى انخفاضها بشكل كبير.
وكما نرى، فإن هذا القانون قد يلحق بالمواطن أضراراً عديدة إذا تم إقرار بعض مواده.
ومثال آخر على مادة قد تضر بالمواطن ما ورد في المادة (30/ثانياً) من القانون المعدل، حيث نصت على أن رسوم الطوابع والواردات تصبح على عاتق الجهة المستملك منها، وليس على الجهة المستملكة، مما يزيد الأعباء المالية على المواطن الذي استُملكت أرضه، خلافاً لما كان معمولاً به سابقاً، حيث كانت الجهة المستملكة هي التي تتحمل هذه الرسوم.
فلماذا أدفع رسوم الطوابع والواردات إذا لم يكن لي رأي، ولم أكن أرغب بأن يستملك أحد عقاري؟
وفي حين أن المادة (23) جاءت للتشديد على الشركات الخاصة في دفع الغرامات إذا لم تُستوفَ الغاية من التملك، وبدون حد أعلى، جاءت المادة (24) للتخفيف على البنوك وعدم إلزامها ببيع العقار المتأتي لها نتيجة مزاد على عقار يخص المدينين المتعثرين، مع وضع حد أعلى للغرامة لا يتجاوز 10% من قيمة العقار بعد خمس سنوات.
وفي المقابل، لم يوضع حد أعلى في المادة (24) على الشركات العادية المملوكة للمواطنين.
وإذا أردنا تحقيق العدالة، فإما إبقاء الغرامة مفتوحة دون حد أعلى على البنوك في حال لم تتصرف بالعقار الذي آل إليها في المزاد، أو وضع حد أعلى للغرامة المفروضة على الشركات إذا لم تقم بالغاية التي تملكت العقار من أجلها.
ورغم اختلاف الحالتين، فإنه من غير المعقول وضع حد أعلى للغرامة على البنوك المقتدرة، فيما تبقى الغرامات مفتوحة على شركات المواطنين محدودة المسؤولية وغيرها، مع منح صلاحيات كبيرة لوزير المالية بإلغائها حسب الحالة، مما يشكل خطورة كبيرة على المال العام، وصلاحيات تصل إلى مئات الآلاف من الدنانير في بعض الأحيان.
الرجاء الانتظار ...