هل نحتاج إلى قانون "انتهاء صلاحية" للمسؤولين بعد مغادرة المناصب في الأردن؟
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.في الأردن، اعتدنا على المسؤول وهو في موقعه الرسمي منضبطاً في تصريحاته، حذراً في كلماته، ملتزماً بخطاب الدولة ومؤسساتها، ومدركاً لحساسية الموقع الذي يشغله، لكن المشهد يتغير أحياناً بصورة "لافتة" بمجرد مغادرة المنصب، إذ تبدأ مرحلة جديدة من التصريحات والمواقف التي قد تثير الجدل وتطرح تساؤلات حول سبب التحول الذي يطرأ على بعض المسؤولين السابقين !
فما الذي يتغير فعلياً؟ هل تتغير القناعات؟ أم أن القيود الوظيفية التي كانت تحكم التصريحات تزول بمجرد انتهاء المسؤولية؟ أم أن بعض المسؤولين يعتقدون أن مغادرة المنصب تمنحهم مساحة أوسع للحديث دون حسابات أو اعتبارات؟
هذه الأسئلة عادت إلى الواجهة مجدداً بعد سلسلة من التصريحات التي صدرت عن مسؤولين سابقين وأثارت ردود فعل واسعة في الشارع الأردني، كان من بينها ما صدر مؤخرا عن نائب رئيس الوزراء الأسبق جواد العناني، والتي فتحت باباً واسعاً للنقاش حول حدود ما يمكن أن يقوله المسؤول السابق، ومدى تأثير كلماته على الرأي العام.
اللافت أن وقع تصريحات المسؤول السابق لا يشبه وقع تصريحات أي شخصية أخرى، فالمواطن لا ينظر إليه كشخص عادي، بل كشخص كان جزءاً من عملية صنع القرار، واطلع على ملفات الدولة وتفاصيلها، وشغل مواقع قيادية عليا، لذلك فإن أي تصريح يصدر عنه يُقرأ غالباً من زاوية مختلفة، ويحمل أبعاداً تتجاوز المعنى المباشر للكلمات.
ومن هنا يأتي السؤال الأكثر أهمية: هل تحتاج الحياة العامة إلى ضوابط أخلاقية أو مهنية تحكم ظهور المسؤولين السابقين في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي؟ ليس بهدف تقييد حرية الرأي أو مصادرة حق التعبير، وإنما للحفاظ على مستوى الخطاب العام ومنع الانزلاق إلى تصريحات قد تثير "البلبلة" أو الجدل دون مبرر.
البعض يذهب أبعد من ذلك، متسائلاً عما إذا كان من الضروري التفكير بفترة زمنية فاصلة بعد مغادرة المنصب قبل الانخراط المكثف في التعليق على الشأن العام، أو وضع مدونة سلوك خاصة بالمسؤولين السابقين تحدد الأطر المهنية والأخلاقية للتصريحات المرتبطة بالقضايا الوطنية الحساسة.
في المقابل، يرى آخرون أن المسؤول السابق يبقى مواطناً يتمتع بحق التعبير عن رأيه، وأن المشكلة لا تكمن في التصريح بحد ذاته، بل في مضمونه ومدى انسجامه مع المسؤولية المعنوية التي ترافق من شغل مواقع عامة "رفيعة".
وبين هذين الرأيين تبقى الحقيقة ثابتة؛ وهي أن المسؤول لا يغادر ذاكرة الناس بمجرد مغادرته المنصب، فالألقاب السابقة تبقى "حاضرة" والكلمات تظل "محسوبة" والتأثير يستمر حتى بعد انتهاء المسؤولية الرسمية.
لذلك، ربما لا يحتاج الأردن إلى "قانون" يمنع المسؤولين السابقين من الحديث أو إبداء آرائهم، بقدر ما يحتاج إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية العامة التي تجعل المنصب قيمة مستمرة لا تنتهي بانتهاء التكليف، فكلما ارتفع الموقع الذي شغله المسؤول، ارتفع معه حجم المسؤولية المترتبة على كلماته ومواقفه، لأن الشارع لا يسمع حديث فرد عادي، بل يسمع صوت شخص كان يوماً جزءاً من الدولة ومؤسساتها.
الرجاء الانتظار ...