كشف الاخطاء بداية الإصلاح
التاج الإخباري -
بقلم: عبدالله موسى الطراونة.لا يمثل رصد التجاوزات أو كشف المخالفات التي تمس المال العام والمصلحة العامة مجرد إجراء رقابي عابر، بل هو أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها قيم النزاهة والشفافية في المجتمعات الحية. فالقيمة الحقيقية لأي مكاشفة تكمن في موضوعيتها، متى استندت إلى حقائق واضحة ووقائع قابلة للتحقق، وكان هدفها تصحيح الخلل وخدمة الصالح العام، بعيداً عن تصفية الحسابات أو تحقيق أهداف شخصية.
ومن هنا، يبرز الدور المهم الذي تضطلع به المنظومة الإعلامية الوطنية، التي شكلت على مدار عقود همزة وصل حقيقية بين المواطن وصاحب القرار، ومنبراً للتعبير عن قضايا الناس وهمومهم. وتتجسد هذه التجربة في برنامج "البث المباشر" عبر أثير إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، ذلك البرنامج الذي أصبح جزءاً من ذاكرة الأردنيين، وتعاقب على ميكروفونه إعلاميون كبار تميزوا بالمهنية والجرأة المسؤولة، وظل على مدى سنوات طويلة صوتاً للمواطن، وساهم في متابعة ومعالجة آلاف القضايا والملفات الخدمية.
ويأتي امتداد هذه التجربة اليوم من خلال البرامج الصباحية في مختلف الإذاعات المحلية، وكذلك البرامج التلفزيونية الجماهيرية التي تقوم بدور ميداني في متابعة قضايا المواطنين، وفي مقدمتها برنامج "من هنا نبدأ" على شاشة قناة رؤيا، الذي أصبح نموذجاً للإعلام الميداني الذي يقترب من هموم الناس في مختلف المحافظات، ويسلط الضوء على تحديات الخدمات والبنية التحتية والتعليم والصحة، ويضع القضايا أمام المسؤولين وصولاً إلى الحلول والمعالجات.
لقد كشفت هذه البرامج، إلى جانب تجارب بعض المنصات الرقمية والحسابات التي يتابعها الشارع باهتمام، ومنها تجربة حساب "الجنرال"، عن حقيقة مهمة تتمثل بوجود حاجة مجتمعية لقنوات تفاعلية تتسم بالسرعة والمرونة والجدية في التعامل مع قضايا المواطنين. وبغض النظر عن اختلاف الآراء حول بعض المنصات، فإن الرسالة الأهم هي أن المواطن يبحث عن جهة تستمع إليه، وتتعامل مع ملاحظاته بجدية، وتعيد إليه الثقة بأن صوته مسموع وقادر على إحداث أثر إيجابي.
وهذا الواقع يضع الجهات الرقابية والمؤسسات الحكومية كافة أمام مسؤولية تطوير وتفعيل قنوات رسمية واضحة وميسرة لاستقبال شكاوى المواطنين وبلاغاتهم وملاحظاتهم، والتعامل معها بسرعة ومهنية وحيادية، والتحقق منها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من تثبت مخالفته، مع تعزيز مبدأ الشفافية في إعلان نتائج المعالجة، بما يرسخ ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ويؤكد أن القانون هو المرجعية الأولى للجميع.
فالرقابة لا تنجح بكثرة ما تكشفه فقط، وإنما بقدرتها على منع تكرار الخطأ، وتحويل الملاحظات والشكاوى إلى إجراءات إصلاحية دائمة تعزز أداء المؤسسات وتحمي المال العام.
ومع ذلك، فإن صناعة الفارق تبدأ من قمة الهرم الإداري؛ فالقادة وصناع القرار في مختلف مواقعهم مطالبون بأن يكونوا قدوة في النزاهة والالتزام، من خلال نبذ الواسطة والمحسوبية، والابتعاد عن استغلال النفوذ، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص والتعامل مع الجميع بسوية واحدة دون تمييز أو محاباة. فالعدالة لا تتحقق إلا عندما يشعر الجميع بأن الحقوق والواجبات تطبق بمعيار واحد، وأن لا أحد فوق المساءلة أو يستحق معاملة خاصة خارج إطار القانون.
وفي المقابل، تكتمل هذه المنظومة بالدور المحوري للموظف العام باعتباره واجهة الدولة أمام المواطن والمؤتمن على المال العام. فالموظف مطالب بالمحافظة على مقدرات الدولة، وتقديم الخدمات بأعلى درجات المهنية والاحترام، والتعامل مع المراجعين بالعدل والإنصاف، وبالطريقة التي يحب أن يُعامل بها لو كان في موقع طالب الخدمة، بعيداً عن التعقيد أو التمييز أو أي سلوك يخالف القواعد المهنية والقيم الدينية والاجتماعية.
إن بناء دولة المؤسسات لا يعني غياب الأخطاء، فالقصور البشري والإداري قد يحدث في أي منظومة، ولكن قوة الدولة تكمن في قدرتها على اكتشاف الخلل، ومعالجته، ومحاسبة من يثبت تجاوزه بعدالة وشفافية. فحماية المال العام، وصون مقدرات الوطن، وترسيخ النزاهة، وتحقيق العدالة، مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والجهات الرقابية والإعلام والمجتمع بأكمله.
وفي النهاية، فإن الهدف الأسمى هو بناء بيئة يشعر فيها المواطن بأن شكواه مسموعة، وأن القانون فوق الجميع، وأن مؤسسات الدولة قادرة على تصحيح أي خلل ومعالجة أي تجاوز بعدالة وشفافية، لأن كشف الخطأ ليس نهاية الطريق، بل هو بداية الإصلاح الحقيقي.
الرجاء الانتظار ...