الزعبي يكتب: من الثأر القبلي إلى الاغتيال الرقمي

التاج الإخباري -

بقلم: البرفسور عبدالله سرور الزعبي.


في كل مرحلة من مراحل التاريخ، حين كان الإنسان يبتكر أدوات تقدّمه، كان يبتكر في الوقت ذاته أدواتٍ جديدة لانحداره. وبين الحضارة والانحطاط ظلّ سؤالٌ واحد يحكم مسار المجتمعات: من يملك القدرة على تشكيل وعي الناس؟ منذ ولادة مفهوم أول قبيلة في التاريخ حتى ظهور أكثر الخوارزميات تعقيداً، لم تتغيّر حقيقةٌ واحدة، السيطرة على العقول كانت دائماً الطريقَ الأقصر إلى النفوذ. وربما كانت أشد الحروب فتكاً في التاريخ ليست تلك التي خاضها الإنسان بالسلاح، بل تلك التي خاضها بالكلمة والصورة والرواية.
لم تُحكَم المجتمعات يوماً بالقوة المجردة وحدها؛ فالرموز والأفكار والخوف والانتماء كانت، عبر التاريخ، أشدَّ تأثيراً من السيوف والجيوش. وما يتغيّر من عصر إلى آخر ليس جوهرَ السيطرة، بل وسائلها. وقد أدرك ابن خلدون هذه الحقيقة قبل سبعة قرون، حين كشف أن العصبية ليست مجرّد تضامن قبلي، بل الوقودُ الذي تحترق به الدول؛ فحين تتحوّل من غريزة حماية إلى تعصّب أعمى، تصبح أداةَ هدمٍ لا بناء، وتدخل المجتمعات في دوامات الثأر التي قد تمتد لأجيال بسبب إهانة رمزية لا تساوي دماً. والجاهلية في معناها الأعمق لم تكن مرحلةً تاريخية سبقت الإسلام، وانتهت، بل حالةٌ ذهنية تتكرّر كلّما تقدّم الانفعالُ على العقل؛ لم تكن جاهليّتهم في افتقار الأدوات، بل في توظيف تلك الأدوات في خدمة الغضب بدلاً من خدمة العقل.
غير أن الاعتقاد بأن الإنسان تجاوز تلك المرحلة يبدو أقربَ إلى الوهم. فالجاهلية لم تختفِ، بل أعادت إنتاج نفسها بأدواتٍ جديدة؛ تحوّلت العصبية القبلية إلى عصبيةٍ حزبية وأيديولوجية وطائفية ورقمية. وشاعر القبيلة الذي كان يُشعل الحروب بقصيدة أصبح اليوم مؤثّراً رقمياً يُشعل الغضب والانقسام بتغريدة. أما سوق عكاظ الذي كان ميداناً لتنافس الفكر والبيان، فقد أضحى منصاتٍ رقمية عالمية تُباع فيها المشاعر والهويات والاصطفافات كما تُباع السلع. والأخطر أن هذا السوق الجديد لا يغلق أبوابه أبداً؛ إنه مفتوح على مدار الساعة، يستنزف الوعي ويُغذّي الغضب في كل لحظة ضعف إنساني.
وقد تنبّه الفيلسوف ماكلوهان إلى هذه التحوّلات مبكّراً حين صاغ عبارته الشهيرة "الوسيلة هي الرسالة"، مُشيراً إلى أن الأمر لا يتعلّق فقط بالمحتوى، بل بالطريقة التي تُعيد بها الوسيلةُ تشكيلَ إدراك الإنسان للعالم من حوله. واليوم باتت الخوارزميات تمارس هذا الدور بصورة غير مسبوقة، إذ تُحدّد ما يراه الإنسان قبل أن يقرّر هو ما يريد رؤيته. فالمنصات لا تعرض المعلومات وفق أهميتها أو دقّتها، بل وفق قدرتها على جذب الانتباه، ولذا تنتشر المحتويات المُثيرة للغضب والاستقطاب بسرعة تفوق المحتويات العقلانية بمراحل. وهكذا يتحوّل الإنسان تدريجياً من مواطنٍ يُفكّر إلى مستخدمٍ يتفاعل؛ لا يُخاطَب عقلُه، بل تُداعَب غرائزُه. وحين تتولّى الخوارزمية تشكيل القناعات، لا يعود الرأي العام تعبيراً عن إرادة الناس، بل انعكاساً لما قرّرت الشركات أن يراه الناس.
في هذا السياق وُلد مفهوم "اقتصاد الانتباه"، حيث باتت الثروة تُقاس بقدرة الشركات على استقطاب انتباه البشر والتحكّم به، وأصبح الإنسان نفسُه المنتَجَ الذي يُباع للمعلنين والسياسيين ومراكز التأثير. وقد كشفت فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" أن تحليل البيانات الشخصية يمكن أن يُوجِّه الرأي العام ويؤثر في السلوك الانتخابي بدقة مذهلة، فلم تعد المعركة بين الحقيقة والكذب فحسب، بل بين من يمتلك القدرة على تشكيل الإدراك العام قبل أن تتشكّل أيّ قناعة. وكان فوكو قد حذّر قبل عقود من مجتمعات الرقابة الناعمة، حيث يتحوّل الأفراد طوعاً إلى رقباء على أنفسهم؛ وفي العصر الرقمي يُقدّم الناس بياناتهم وأفكارهم وأدقّ تفاصيل حياتهم بإرادتهم وبابتسامة راضية، في واحدةٍ من أشدّ صور السيطرة ذكاءً في التاريخ. وهنا يتشكّل الاغتيال الرقمي في أخطر صوره؛ لا يُقتل الجسد، بل تُقتل القدرة على التفكير المستقل. والفارق المأساوي أن ضحية السيف تعلم أنها سقطت، بينما ضحية الخوارزمية تظنّ أنها حرّة. وهذا ما جعل هانا أرندت تُحذّر من أن أخطر أشكال الاستبداد ليست تلك التي تقمع الناس، بل تلك التي تُقنعهم بأنهم يختارون طوعاً.
وفي الشرق الأوسط تتّخذ هذه الظاهرة أبعاداً بالغة الخطورة؛ إذ دخلت مجتمعاتٌ لم تخرج بعد من إرث القبيلة والطائفة فجأةً إلى عصر الذكاء الاصطناعي ومنصات التأثير الفوري، دون بنية تعليمية كافية قادرة على إنتاج مناعة معرفية. وما كان محدوداً بحدود الوادي والجبل بات اليوم عابراً للحدود، ينتقل فيه التحريض والكراهية وصناعة العدوّ خلال ثوانٍ لتتحوّل إلى حالة نفسية جماعية قبل أن يتمكّن أحد من التحقّق مما جرى. وقد جلّت هذه الظاهرة في اليمن، وليبيا، وسوريا، وغيرها؛ وكلّها كشفت كيف يمكن للانقسام الرقمي أن ينخر الثقة بالمؤسسات من الداخل دون أن تُطلق رصاصة واحدة. إنها حروب بلا جبهات واضحة ولا معاهدات سلام، تبدأ على شاشة هاتف وتنتهي بانهيار دولة.
وفي قلب هذه البيئة المضطربة، يقف الأردن أمام تحدٍّ من طبيعة مختلفة. فالمملكة، الواقعة في بيئة جغرافية لم تعرف الاستقرار، نجحت تاريخياً في الحفاظ على توازنٍ دقيق يشبه المشيَ فوق حبل مشدود. بيد أن الفضاء الرقمي الأردني بات يعكس استقطاباً حادّاً تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والهوية، وتُحوّل فيه الشعبويةُ الرقميةُ النقاشاتِ العامة من تحليلٍ إلى اتهام، ومن نقدٍ بنّاء إلى تخوين، ومن بحثٍ عن حلول إلى سباقٍ على تسجيل المواقف الصاخبة. وإن أخطر أزمة تواجه الأردن ليست اقتصادية وحسب، بل أزمة ثقة بين المجتمع ومؤسساته؛ فحين يُفقد هذا الخيط الرفيع، لا يحتاج أعداء الدولة إلى جيوش.
في المقابل، يمتلك الأردن رصيداً استراتيجياً حقيقياً في كفاءاته وعقوله المفكّرة، التي طالما شكّلت ركيزةً صامدة في مواجهة التحوّلات الكبرى. غير أن شريحة منها تعيش على هامش صناعة القرار، تفتقر إلى فضاءات حقيقية للمشاركة في رسم ملامح المستقبل. وما لم تُجسَر هذه الهوّة، فإن عقولاً ستُهاجر وأخرى ستُبتلع في متاهات الاستقطاب الرقمي، وتلك خسارةٌ استراتيجية لا تقلّ وطأةً عن إهدار أي ثروة طبيعية. وقد استشرف الملك عبدالله الثاني هذه المعادلة حين وجّه نحو تحديث سياسي وإداري وبناء اقتصاد رقمي متين، مُدركاً أن الرهان الحقيقي يكمن في العقل الأردني لا في باطن الأرض. ويواصل ولي العهد هذا المسار بمهنيةٍ عالية وروحٍ استراتيجية ثاقبة، مُجسِّداً رؤيةً تؤمن بأن التقنية حين تُوجَّه بوعي وطني راسخ تتحوّل من أداة استهلاك إلى رافعة نهضة حقيقية.
بيد أن نجاح هذا المشروع لن يكتمل دون وعيٍ مجتمعي يُميّز بين النقد البنّاء والفوضى العدمية؛ فالانتقادات المنفصلة عن المعلومة الموثوقة ليست صوتاً للإصلاح، بل وقودٌ للتفتيت. وحين يغيب هذا التمييز لا يخسر المجتمع جدلاً عابراً، بل يخسر بوصلته وتتآكل ثقته بمستقبل أبنائه. والمفارقة المؤلمة أن أكثر المجتمعات صخباً على الإنترنت هي في الغالب أكثرها عجزاً عن الفعل في الواقع؛ كأن الصراخ الرقمي يُخدّر الإحساس بضرورة التغيير الحقيقي. وهنا يظهر دور الحكومة بانتهاج مبادئ منظومة الحوكمة والشفافية بدرجة عالية، وهو ما يحاول رئيس الحكومة القيام به، الا ان بعض الادوات المستخدمة، لا تساعد بما فيه الكفاية.
والسؤال الأشد إيلاماً في هذه اللحظة التاريخية ليس: إلى أين نسير؟ بل: هل تطوّرنا ثقافياً بقدر ما تطوّرنا تكنولوجياً؟ لأن الإجابة الصادقة لا تُريح؛ فالإنسان امتلك أدواتٍ مذهلة، لكنّه ما يزال يتعثّر أحيانًا في دروب الانغلاق على الذات وضيق الأفق. تغيّرت الشاشات، لكن غرائز الخوف والطمع والسيطرة بقيت كما كانت قبل قرون. وقد حذّر نيتشه من أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الوحوش الخارجية، بل الوحش الذي ينمو في داخله دون أن يشعر؛ وفي العصر الرقمي تعرف الخوارزمية نقاط ضعفه النفسية أكثر مما يعرفها هو عن نفسه.
لقد حلّت الخوارزميةُ محلّ السيف، وتربّع المؤثّر الرقمي على عرش شاعر القبيلة، وغدت المنصّات سوقَ عكاظ الجديد؛ غير أنها ليست سوق الشعر والحكمة، بل سوق تتاجر بالغضب وتصنع الانقسام. تبدّلت الأدوات، لكن جوهر التحدي ظلّ راسخاً، إن كانت الجاهلية القديمة تُكبّل الإنسان بأغلال الدم والنسب، فإن الجاهلية الرقمية تُكبّله بقيودٍ أشدّ خفاءً؛ إدمانٌ خوارزمي يتسلّل إلى عقله، وتضليلٌ ناعم يُعيد تشكيل قناعاته دون أن يشعر. والقيد الحديث لا يُرى ولا يُلمس، وهذا بالضبط ما يجعله أكثر إحكاماً وأعمق أثراً. ولهذا فإن المستقبل لن يتحدّد بمن يمتلك أكثرَ التقنيات تطوّراً، بل بمن يمتلك وعياً راسخاً يُوظّف التكنولوجيا دون أن يُستعبَد لها.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سنبني مجتمعاً يُفكّر ويُنتج المعرفة، أم سنكتفي بصناعة جماهير تتفاعل وتستهلك ما يُصنع لها؟ فالأمم التي لا تُنتج المعرفة محكومٌ عليها باستهلاك أفكار غيرها، ومن يستهلك أفكار غيره يعيش في نهاية المطاف وفق أجندة غيره. فالإجابة هي التي ستحدّد مستقبلنا في العقود القادمة.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى