الأردن في أسبوع .. كوريغرافيا الدولة بين جيوبوليتيك الظلال وارتجاجات السلطة
التاج الإخباري -
بقلم: د. ايمن الخزاعلة.توشّح المشهد الوطني الأردني على مدار أسبوع كامل برداء من التحولات المفصلية، تداخلت فيه صرامة الدبلوماسية السيادية بمخاضات إعادة الهيكلة الداخلية، ليرسم للدولة الأردنية تموضعاً استراتيجياً ينأى بنفسه عن الانفعال اللحظي ويؤسس لمعادلات حوكمة بالغة الأهمية. ففي أوج الحراك الإقليمي، وأمام استحقاق دستوري راسخ تمثل في الذكرى السابعة عشرة لولاية عهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، تجلت حيوية استقرار هرم السلطة بإدارته الحصيفة لدفة الدولة وقيامه بأداء القسم نيابة عن الملك؛ ما يبعث برسالة طمأنينة بنيوية حول سلاسة مؤسسة العرش ومنعتها.
هذا الثبات الهيكلي في الداخل مكن الدولة من إطلاق رسائل سيادية حاسمة للداخل والخارج؛ فجاءت الإرادة الملكية السامية بنقل السفير الأردني لدى تل أبيب إلى مركز الوزارة، تزامناً مع الكشف عن مديرية استيطانية إسرائيلية جديدة على مقربة من الحدود، لتشكل كبحاً ديبلوماسياً صريحاً، وتعبيرًا بليغاً عن امتعاض عمان من راديكالية اليمين الإسرائيلي. ولم يقتصر التموضع الأردني على المناورة الدبلوماسية، بل بدا منحازاً للعمق العربي بإدانة الاستهداف الإيراني للدول العربية في مضيق هرمز، وهو تموضع حصيف يدمج الأمن القومي الأردني بمنظومة الأمن الخليجي المشترك، لا سيما مع عودة نذر حرب إيران وتلويح الحوثيين بضرب دول عربية شقيقة واستهداف السفن في هرمز، وهو ما تعتبره عمان تهديداً مباشراً لاستقرار الإقليم يتطلب مجابهة حازمة لحماية خطوط الإمداد والمصالح المشتركة، دون إغفال القوة الناعمة للمملكة التي تجلت في إرسال معدات وجسر إغاثي ثانٍ إلى فنزويلا؛ مما يوجب على صانع القرار تحويل هذه الكفاءة الميدانية الإنسانية إلى روافع سياسية مستدامة في المحافل الدولية.
وفي صالونات السلطة التنفيذية، أحدث طلب رئيس الوزراء استقالة وزير العمل هزة ارتدادية، حاولت الرواية الرسمية الخجولة تطويقها بعزو الإجراء إلى مقتضيات "مدونة السلوك الوزاري" لا إلى مخالفات جرمية. بيد أن هذا الإخراج التبريري يفتح الباب مجدداً للسؤال الجوهري: هل عزل الوزير كان بسبب السلوك حقاً، أم أن في الأفق ما خفي وكان أعظم؟ واقع الحال يؤكد أن الارتباك في سردية الإقالة، ومسارعة الدوار الرابع لشرعنة الموقف بإصدار نظام عاجل لمنع تضارب المصالح، يشير إلى أن التصدعات أعمق من مجرد "شبهة"؛ فالجسم الحكومي يبدو اليوم يعاني تشققاً بنيوياً، وغياباً تاماً للهوية السياسية الجامعة التي تمنحه القدرة على قيادة الشارع بدل الاستسلام لضغوطه. إن الدولة أمام خيارين: إما تضميد عاجل وتعديل وزاري حقيقي يستأصل مواطن "ارتجاف الأيدي"، أو الاعتراف بأن هذه التوليفة استنفدت رصيدها، ما يجعل رحيل الحكومة برمتها استحقاقاً لا مفر منه، تلافياً لتعميق فجوة الثقة بين السلطة التنفيذية والشارع الذي يرصد على وقع نقاشات الضمان الاجتماعي والتعديلات المرتقبة.
وهذا التجاذب النيابي-التنفيذي والترهل المؤسسي تفجر بوعيد برلماني من احد النواب لملاحقة مساعد أمين عام وزارة الزراعة (مدير الثورة الحيوانية) قانونياً إثر إغلاق حديقة ومنشأة "السوسنة السوداء" لمخالفات تنظيمية؛ حيث اشترطت الوزارة تصويب 29 مخالفة لإعادة فتحها. إن مشهد الشد والجذب بين تزمت المسؤول البيروقراطي وترف أدائه، وبين استقواء النائب بالأدوات الرقابية والشعبوية لفتح المنشأة فوراً بإيعاز وزاري، يعكس عمق الخلل في إدارة المؤسسات؛ إذ يفرض واقع الحال وضع خطوط فاصلة حاسمة تحمي القانون العام والموظف التنفيذي من التغول، وتمنع في الوقت ذاته المسؤولين من التمترس خلف التعنت الطارد للاستثمار لغايات مصلحية أو تصفية حسابات ضيقة. أما على الميزان الاقتصادي، فقد تجلت المفارقة بين ثناء الأرقام الدفترية وقسوة الواقع المعيشي؛ ففي الوقت الذي يحتفي فيه صندوق النقد الدولي بمسار الاقتصاد الأردني بعد صعوده لفئة "الدخل المتوسط الأعلى"، ونيل الجمارك جائزة عالمية للاقتصاد الرقمي، وتخفيض كلفة مشروع "الناقل الوطني"، وتسهيلات أمانة عمان الإنشائية بخصومات مجزية، لا يزال المواطن يواجه غلاءً مستعراً في أسعار اللحوم وتآكلاً في القوة الشرائية، فضلاً عن تذمر مستثمرين من بيروقراطية كابحة في دوائر الأراضي. ومطلبنا ألا تأخذ الحكومة نشوة الإشادات الدولية عن قراءة نبض الشارع، بل يتعين توجيه الوفر المالي لدعم قطاعات حيوية كالنقل البري الذي يستوعب جل الصادرات الزراعية، فمأسسة الإنتاج هي الكفيلة وحدها بترجمة النمو الرقمي إلى استقرار مجتمعي.
ولم يكن السلم الأهلي بمنأى عن التهديد، لولا اليقظة الردعية للأجهزة العسكرية والأمنية؛ إذ يمثّل إحباط القوات المسلحة لتهريب المخدرات عبر "بالونات إلكترونية" متطورة، دليلاً قاطعاً على أن الأردن يواجه حرباً تقنية منظمة تديرها شبكات إقليمية معقدة. وعلى الصعيد الأمني الداخلي، شكل نجاح الأمن الجنائي في كشف طلاسم جريمة قتل تعود لعام 2015 دفنت فيها زوجة زوجها بفناء المنزل، والسيطرة السريعة على التبعات برهاناً على كفاءة الردع الجنائي؛ غير أن التوجه لملاحقة "ناشري الشائعات ومغتالي الشخصيات" –بعد رصد 92 إشاعة في حزيران– يجب أن ينضبط بحدود القانون الصارم الذي يحمي النسيج المجتمعي دون التغول على سقف الحريات.
وفي الوجدان الشعبي والمجتمعي، عكست الأحداث تصاعداً حاداً في منسوب الاحتقان؛ فمأساة جريمة مقتل الشاب طالب الثانوية العامة فهد أبو الشايب في الصويفية—والتي أسفرت عن توقيف 17 متهماً ومستبهاً قبل ساعات من امتحانه—تتلاقى في بشاعتها مع التفاصيل الصادمة لجريمة الموقر، حيث استدرج حدث طفلاً بريئاً إلى منزل مهجور وخنقه حتى الموت. إن هذه الجرائم المروعة تضع الإصبع على جرح نازف يتعلق بتفشي أنماط العنف المنفلت، وتراجع منظومة القيم، وغياب الحواضن التربوية والمجتمعية الرادعة، ما يستوجب مراجعة وطنية شاملة للخطاب التربوي والأمني لحماية الطفولة والسلم الأهلي. يوازيها في الإطار التعليمي تسمية خبير تربوي لطلبة التوجيهي بـ "الكتاكيت" تزامناً مع شكاوى ضيق وقت امتحان الرياضيات، ما كشف بدوره عن ثغرة تنظيمية تمثلت في وجود 5 منصات تعليمية مرخصة فقط من أصل 70، وهو ما يستدعي حزماً فورياً بإغلاق المنصات غير المرخصة حماية لأموال المواطنين. وتزامنت هذه الهزات مع مظاهر إحباط مقلقة، كإقدام شاب على إضرام النار بنفسه في جرش، وسلوكيات مرورية منفلتة، مما يوجب ربط المقاربة الأمنية ببرامج رعاية نفسية واقتصادية شاملة للشباب، وهو ما تنبهت له وزارة الصحة بإعلان قائمة الأطباء المعتمدين حصراً لجراحات التجميل لضبط الفوضى الطبية.
وفي الختام، تجسد الشغف العام في المشهد الرياضي؛ ففي أعقاب إعلان الأمير علي بن الحسين نهاية مشوار المدرب المغربي جمال السلامي مع النشامى، اندفع الجمهور بكثافة عفوية عارمة أجبرت الأمن على إخراج اللاعبين من حفل افتتاح مطعمهم الخاص، في دلالة على الارتباط الوجداني العميق برمزية المنتخب. إن الخروج المفاجئ والدراماتيكي للسلامي أثار لغطاً كبيراً وانقساماً في الشارع الرياضي بين من يراه خسارة لاستقرار التكتيك، ومن يطالب بدم جديد؛ وتقدير الموقف يملي على اتحاد الكرة مأسسة خياراته الفنية بعيداً عن الانفعال اللحظي لتجنب الهزات السيكولوجية. هذا التعلق الكثيف بالساحرة المستديرة يتقاطع مع الخروج الدراماتيكي لـ "منتخب مصر"؛ وهو السقوط الذي لم يكن مجرد كبوة عابرة بل جسد حقيقة غياب ثقافة الفوز والانهزام السيكولوجي الداخلي أمام الذات قبل الخصم، حيث تعجز الفرق العربية أحياناً عن تصديق تقدمها في النتيجة، لتسقط ضحية اللغط التحكيمي أو نظرية المؤامرة، بدلاً من التمسك بالانضباط التكتيكي حتى الرمق الأخير. ووسط هذه الانكسارات الإقليمية، يتمايز الأردن بإجلال إنساني أصيل تجلى في استضافة أطفال غزة كضيوف شرف في مدرجات كأس العالم، ليبقى الوطن، برغم نوائب الإقليم، ووعورة المسار، وتذبذب الأداء الحكومي، ممسكاً بزمام هيبته، مستنداً إلى وعي شعبه، ومحافظاً على بوصلته التاريخية.
العنوان يعني:
كيف تدير الدولة الأردنية حركتها السياسية الدقيقة وسط صراعات إقليمية غير ظاهرة (جيوبوليتيك الظلال) وتوترات داخلية في بنية السلطة (ارتجاجات السلطة).
الرجاء الانتظار ...