الحباشنة يكتب: مجلس النواب .. بين استحقاق الدستور واستعادة ثقة الأردنيين
التاج الإخباري -
بقلم: اللواء المتقاعد طارق عبدالمحسن الحباشنة.البرلمان لا يُقاس بعدد جلساته أو تشريعاته، بل بقدرته على مساءلة الحكومة، وتحسين القوانين، والدفاع عن مصالح المواطنين.
“الثقة لا تُقاس بما يُقال تحت القبة، بل بما يلمسه المواطن خارجها.”
من حق الأردنيين أن يتساءلوا: هل أدى مجلس النواب واجبه الدستوري بالمستوى الذي تفرضه المرحلة؟ فهذا السؤال لا ينتقص من مكانة المؤسسة التشريعية، بل يجسد جوهر العمل الديمقراطي، الذي يجعل المراجعة والمساءلة وسيلتين لتطوير الأداء وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
جاء المجلس الحالي في مرحلة مفصلية من مسيرة التحديث السياسي، فارتفعت معه سقوف التوقعات الشعبية تجاه دوره. ولا ينتقص هذا التقييم من الجهود التي بذلها المجلس في عدد من الملفات التشريعية والرقابية، إلا أن معيار الحكم في النهاية يبقى الأثر الذي ينعكس على حياة المواطنين، ومدى نجاح المجلس في ممارسة الدور الذي رسمه له الدستور. ورغم ما تحقق من تشريعات ومناقشات، لا يزال جزء من الرأي العام يرى أن الأداء لم يبلغ المستوى الذي يوازي حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ولا مستوى الصلاحيات الدستورية المتاحة للمجلس.
لقد أصبح واضحاً أن جانباً مهماً من فجوة الثقة بين مجلس النواب والمواطنين لا يرتبط بنقص الصلاحيات، بل بالفارق بين ما ينتظره المواطن من رقابة وتشريع ومبادرة، وما يلمسه من نتائج على أرض الواقع. فكلما اتسعت هذه الفجوة، تراجعت الثقة، مهما كان حجم الجهد المبذول داخل المجلس.
إن الدستور لم يمنح مجلس النواب أدواته الرقابية لتبقى نصوصاً جامدة، بل لتكون وسيلة لحماية المصلحة العامة، ومتابعة أداء الحكومة، ومراجعة السياسات العامة، وتحسين جودة القرار العام. فالرقابة البرلمانية تُقاس بقدرتها على تصويب الأداء، ومساءلة الحكومة وفق الأدوات الدستورية، ومتابعة تنفيذ الالتزامات، وليس بعدد الأسئلة أو ساعات الجلسات. كما أن قيمتها الحقيقية لا تكتمل بمجرد إثارة القضايا، وإنما بمتابعة نتائجها حتى يشعر المواطن بأن الرقابة أحدثت أثراً ملموساً.
وفي مقدمة الأولويات التي ينتظر الأردنيون من المجلس أن يمنحها اهتماماً أكبر، تأتي القضايا الاقتصادية والمعيشية. فارتفاع كلفة المعيشة، والبطالة، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ليست ملفات عابرة، بل تمثل الهم اليومي للأسر الأردنية. كما أن التعليم، والصحة، والمياه، والنقل، والإدارة العامة، تستحق أن تبقى في صدارة الأجندة البرلمانية، لأنها تمس جودة حياة المواطنين بصورة مباشرة، وتؤثر في مستوى الثقة بالأداء العام.
وفي المقابل، فإن التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ضرورة دستورية، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى بديل عن الرقابة أو سبب لتراجعها. فالمجلس ليس مطالباً بمعارضة الحكومة على كل قرار، كما أنه ليس مطالباً بتأييدها في كل ما تطرح، وإنما بأن يمارس صلاحياته باستقلالية، وأن يكون معياره الوحيد هو الدستور والمصلحة الوطنية، وأن يخضع السياسات والقرارات للنقاش والتمحيص كلما استدعت المصلحة العامة ذلك.
لقد تغيرت معايير الحكم على البرلمانات. فالمواطن اليوم لا يسأل كم جلسة عقد المجلس، ولا كم مشروع قانون ناقش، بل يسأل: هل أسهمت الرقابة في تحسين الأداء؟ وهل حسّنت التشريعات حياة الناس؟ وهل بادر المجلس إلى طرح حلول قبل تفاقم المشكلات؟ وهل تابع تنفيذ ما يصدر عنه من توصيات ورؤى؟ إن هذه الأسئلة هي التي تصنع الثقة، وهي التي ينبغي أن تشكل البوصلة الحقيقية للعمل البرلماني.
إن المجلس اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة، لكن هذه الثقة لن تُستعاد بالخطابات أو البيانات، وإنما عندما يشعر المواطن بأن البرلمان أصبح أكثر حضوراً في القضايا التي تؤثر في حياته اليومية، وأكثر مبادرة في اقتراح الحلول، وأكثر متابعة لتنفيذ ما يناقشه ويقرره. فالثقة تُبنى بالتراكم، لكنها قد تتراجع سريعاً إذا غابت النتائج.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع مجلس النواب، خلال المرحلة المقبلة، أن يحول صلاحياته الدستورية إلى نتائج يلمسها المواطن، وأن يجعل استعادة الثقة عنواناً لأدائه؟
الرسالة إلى مجلس النواب واضحة: إن الأردنيين لا ينتظرون خطابات أكثر، بل نتائج أكثر. ولا يريدون برلماناً يعارض لمجرد المعارضة، أو يوافق من دون تمحيص، بل مجلساً يمارس صلاحياته الدستورية باستقلالية، ويضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار، ويجعل الرقابة والتشريع وسيلتين لتحسين حياة الناس. فاستعادة الثقة ليست مهمة مستحيلة، لكنها تبدأ من تحت القبة، وتُقاس بما يلمسه المواطن خارجها.
⸻
الخلاصة في ثلاث رسائل
الرسالة الأولى:
صلاحيات مجلس النواب التي كفلها الدستور واسعة، لكن معيار نجاحها هو أثرها في حماية المصلحة العامة، وجودة التشريع، وفاعلية الرقابة، لا مجرد ممارستها شكلياً.
الرسالة الثانية:
الملفات الاقتصادية والمعيشية، إلى جانب التعليم والصحة والخدمات العامة، يجب أن تبقى في صدارة أولويات المجلس، لأنها تمثل المقياس الحقيقي الذي يحكم من خلاله المواطن على الأداء البرلماني.
الرسالة الثالثة:
استعادة ثقة الأردنيين تبدأ ببرلمان مستقل في قراره، قوي في رقابته، نوعي في تشريعاته، مبادر في حلوله، وقريب من هموم المواطنين، لأن البرلمانات تُخلَّد بما أنجزته، لا بما أعلنته.
⸻
“مراجعات وطنية… نكتب من أجل تطوير الأداء، وتعزيز الثقة، وترسيخ دولة المؤسسات، لأن قوة الأردن تبدأ بقوة مؤسساته."
الرجاء الانتظار ...