الأردن وطنٌ لا تُعرِّفه كرةٌ .. بل يصنعه التاريخ
التاج الإخباري -
بقلم: د. علي الطراونة.من المؤسف أن يخرج من يختزل تاريخ وطنٍ عريق، ويختصر مكانته بين الأمم بحدثٍ رياضي، مهما كان عظيمًا ومصدر فخر لكل أردني. فالأردن لم يبدأ مع صافرة مباراة، ولم يولد مع مشاركة في كأس العالم، ولن يكون تاريخه رهينًا ببطولة أو إنجازٍ عابر.
الأردن دولةٌ صنعت اسمها قبل أن تُصنع بطولات الملاعب، ورسخت مكانتها قبل أن تُرفع رايات المنافسات الرياضية. فمن يعرف تاريخ المنطقة، يدرك أن الأردن كان حاضرًا في صناعة الأحداث، وصياغة المواقف، والدفاع عن قضايا الأمة، يوم كانت دول كثيرة لا تزال تبحث عن مكان لها على خارطة السياسة.
لقد عرف العالم الأردن منذ أن أسسه الهاشميون على مبادئ الثورة العربية الكبرى، وعرفه بقيادة جلالة الملك عبدالله الأول ابن الحسين، شهيد القدس، الذي امتزج اسمه بالدفاع عن القدس وفلسطين، وارتقى شهيدًا على ثرى المسجد الأقصى، ليبقى شاهدًا على أن الأردن لم يكن يومًا متفرجًا على قضايا أمته، بل كان في مقدمة المدافعين عنها.
وعرف العالم الأردن في عهد المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال، باني الدولة الأردنية الحديثة، الذي قاد الوطن بحكمةٍ استثنائية وسط أعاصير المنطقة، حتى أصبح اسم الأردن مرادفًا للاعتدال، والحكمة، والاستقرار، والكرامة الوطنية، واكتسب احترام قادة العالم شرقًا وغربًا.
واليوم، يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، هذه المسيرة المباركة، حاملاً رسالة الأردن إلى العالم بكل ثبات واقتدار، ومدافعًا عن مصالح وطنه، وعن قضايا أمته، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي بقيت وستبقى في صدارة الأولويات الأردنية قولًا وفعلًا، موقفًا ومسؤولية، انطلاقًا من الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
لقد عرف العالم الأردن بمواقفه المشرفة، وبجيشه العربي المصطفوي، وأجهزته الأمنية، ودبلوماسيته الحكيمة، وبشعبه الكريم الذي احتضن ملايين الأشقاء واللاجئين دون منّة أو مزايدة، وقدم للعالم نموذجًا في الإنسانية والتكافل والتسامح. هذه هي الصورة التي صنعت اسم الأردن، لا كرةٌ تُركل في ملعب، ولا بطولة، مهما بلغت قيمتها.
ونحن، إذ نفخر ونعتز بمنتخب النشامى، ونرفع القبعة لكل لاعب ومدرب وإداري ساهم في هذا الإنجاز التاريخي، فإننا نرفض أن يُستغل هذا النجاح لطمس تاريخ وطن، أو التقليل من مكانة دولةٍ عمرها من المواقف والإنجازات أكثر مما عمرها من المباريات.
إن منتخب النشامى شرف الأردن، وهو صفحة مضيئة في سجل الوطن، لكنه لم يكتب أول سطر في تاريخ الأردن، بل أضاف سطرًا جديدًا إلى كتابٍ حافل بالمجد والعزة والإنجاز.
أما القول إن العالم لم يعرف الأردن إلا بعد كأس العالم، فهو قولٌ يجافي التاريخ، ويظلم أجيالًا من الرجال الذين بنوا الدولة، وحموا حدودها، وصانوا كرامتها، ورفعوا رايتها في كل المحافل السياسية والعسكرية والإنسانية والدبلوماسية.
الأردن لم يعرفه العالم بدور أحد، ولم يصنع اسمه مسؤولٌ عابر، ولا بطولةٌ عابرة، بل صنعه رجالٌ أوفياء، وقيادة هاشمية حكيمة، وشعبٌ عظيم، ومواقف لا تُشترى ولا تُباع.
سيبقى الأردن أكبر من كل محاولات الاختزال، وأعمق من كل التصريحات العابرة. سيبقى وطن الرسالة، ووطن الشهامة، ووطن الاعتدال، ووطن المواقف التي لا تتبدل، لأن الأوطان العظيمة لا يصنعها حدث، بل يصنعها التاريخ… والأردن كتب تاريخه بمداد الشرف قبل أن تُكتب نتائج المباريات على لوحات الملاعب.
الرجاء الانتظار ...