عدد جديد من مجلة السياسة والمجتمع JPS يناقش الحرب على إيران وإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط

التاج الإخباري -

أصدر معهد السياسة والمجتمع العدد الخامس من مجلته النصف سنوية، المجلة الأردنية للسياسة والمجتمع JPS، متناولًا التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية والاستراتيجية للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وما خلّفته من آثار عميقة على توازنات الشرق الأوسط، ومستقبل النظام الإقليمي، وموقع الدول العربية في مرحلة تتسم بتراجع اليقين في التحالفات التقليدية وتصاعد أدوات الصراع الجيوسياسي والجيواقتصادي.

ويقدّم العدد قراءة تحليلية شاملة للحظة إقليمية شديدة التعقيد، لم تعد فيها الحرب مجرّد مواجهة عسكرية بين أطراف محددة، بل اختبارًا واسعًا لبنية النظام الإقليمي، ولمعادلات الردع، ومفاهيم السيادة، وحدود الاعتماد على الحماية الخارجية. كما يفتح العدد نقاشًا معمقًا حول موقع الأردن، والعراق، وسوريا، ودول الخليج، ولبنان، ومصر، وفلسطين، في ظل التحولات التي أعادت تشكيل خرائط النفوذ وأولويات الأمن في المنطقة.

في افتتاحية العدد، يقدّم رئيس الوزراء الأردني الأسبق ورئيس الهيئة الاستشارية للمجلة عبد الكريم الكباريتي قراءة سياسية واستراتيجية للحظة الراهنة، معتبرًا أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران تمثل نقطة تحول قد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وتفرض على الدول العربية مراجعة أولوياتها وتحالفاتها وموقعها في النظام الإقليمي الجديد. وينطلق الكباريتي من سؤال مركزي حول الاتجاه الذي ستسلكه المنطقة بعد الحرب، في ظل صعود الطموحات الإسرائيلية، واستمرار الحضور الإيراني، وتغير طبيعة الالتزامات الأمريكية، والتحولات المتسارعة في النظام الدولي.

ويدعو الكباريتي إلى تبني رؤية عربية أكثر استقلالًا وواقعية، تقوم على إعادة تعريف العلاقة مع إيران وفق منطق المصالح والأمن الإقليمي، بعيدًا عن الاستقطابات الأيديولوجية والطائفية، وتنويع الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية والإقليمية، وعدم الارتهان لمحور واحد في إدارة المصالح العربية. كما يخصص جانبًا مهمًا للأردن، مؤكدًا أن مصلحته الوطنية تكمن في الحفاظ على سياسة التوازن وعدم الانجرار إلى الصراعات الإقليمية، مع إدراك أن التحدي الاستراتيجي الأكثر إلحاحًا يتمثل في السياسات الإسرائيلية تجاه الأردن والقضية الفلسطينية.

ويفتتح العدد حواراته بمقابلة مطوّلة مع رئيس الوزراء الأسبق عمر الرزاز حول تحولات النظام العالمي والشرق الأوسط في عصر الجيواقتصاد، يقدم فيها قراءة معمقة للتحولات البنيوية التي يشهدها العالم، من خلال ربط الحروب والأزمات بتغيرات أوسع في بنية الاقتصاد والسياسة الدوليين. ويناقش الحوار أزمة النموذج الليبرالي الغربي، وتراجع العولمة بصيغتها التقليدية، وصعود الجيواقتصاد بوصفه إطارًا جديدًا للتنافس بين القوى الكبرى، حيث أصبحت التكنولوجيا، والطاقة، والرقائق الإلكترونية، والمعادن النادرة، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية أدوات رئيسية لإنتاج القوة والنفوذ.

ويخصص الحوار مساحة مهمة للأردن، إذ يؤكد الرزاز أن الاستقرار لم يعد قيمة دفاعية فحسب، بل أصبح رأس مال استراتيجيًا ينبغي تحويله إلى قوة إنتاجية ومؤسساتية، عبر الاستثمار في الاقتصاد، وبناء القدرات، وتعزيز الموقع الجغرافي، والانتقال من دولة عبور إلى عقدة إقليمية للإنتاج والربط اللوجستي. وبهذا المعنى، لا يقدم الحوار تعليقًا على حرب جارية بقدر ما يطرح إطارًا فكريًا واستراتيجيًا لفهم العالم الذي يتشكل بعدها.

وفي قراءة لمستقبل إيران بعد الحرب، يستعرض أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر محجوب الزويري في مقاله “إيران وتراكم الخسائر: الجمهورية الإسلامية في اليوم التالي للحرب” مسار التراجع التدريجي للنفوذ الإيراني في المنطقة، معتبرًا أن الحرب سرّعت انتقال إيران من مرحلة النفوذ منخفض الكلفة إلى مرحلة النفوذ المرتفع الكلفة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. كما يناقش المقال تداعيات خسارة سوريا، وتراجع دور الحلفاء الإقليميين، وانعكاسات ذلك على مستقبل الاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط.

ومن زاوية الاقتصاد السياسي، يحلل إبراهيم سيف في مقاله “الآثار الاقتصادية للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران: الحساب المفتوح والتداعيات اللاحقة” آثار الحرب على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية، والتجارة الدولية، والتضخم، إضافة إلى انعكاساتها على الاقتصادات العربية النفطية وغير النفطية. ويبين المقال كيف أصبحت الأدوات الاقتصادية جزءًا أساسيًا من إدارة الصراع، بحيث تحولت الطاقة والممرات البحرية وسلاسل التوريد إلى أدوات ضغط جيواقتصادي لا تقل أهمية عن الأدوات العسكرية.

وفي الملف الأردني، يناقش علي حجازي الباحث في معهد السياسة والمجتمع في مقاله “الأردن كدولة صمود: هندسة الاستقرار وحدود التكيف في بيئة إقليمية مضطربة” التجربة الأردنية في إدارة الأزمات الإقليمية المتعاقبة، من خلال طرح مفهوم “دولة الصمود” بوصفه إطارًا لفهم قدرة الدولة الأردنية على الحفاظ على تماسكها السياسي والأمني والمؤسسي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. ويتساءل المقال عما إذا كان الصمود يمثل استراتيجية مستدامة، أم أنه قد يتحول مع مرور الوقت إلى حالة من الإرهاق الاستراتيجي التي تستدعي الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء تحولات هيكلية طويلة الأمد.

ويحضر العراق في العدد من خلال مقاربتين متكاملتين؛ إذ يتناول الباحث غير المقيم في معهد السياسة والمجتمع عبدالله محمد الطائي في مقاله “التوازن الحرج: العراق تحت ضغط الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران” موقع العراق في قلب المواجهة الإقليمية، في ظل تعدد مراكز القرار السياسي والأمني، واستمرار نفوذ الفصائل المسلحة، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، مركزًا على أزمة السيادة العراقية وقدرة مؤسسات الدولة على تحييد البلاد عن الصراع. فيما يقدم أستاذ العلوم السياسية فراس إلياس في مقاله “العراق والحرب على إيران: تحولات الدولة والمجال الإقليمي” قراءة استراتيجية لتحولات موقع العراق بعد الحرب، معتبرًا أن دوره لم يعد يقتصر على كونه ساحة نفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، بل أصبح عقدة جيوسياسية رئيسية في إعادة تشكيل النظام الإقليمي.

وفي الشأن السوري، يحلل الباحث غير المقيم في معهد السياسة والمجتمع حسن جابر في مقاله “سوريا بين قيود الجيوبوليتيك وإعادة التموضع الإقليمي” البيئة الاستراتيجية الجديدة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وكيف أعادت التحولات الداخلية والإقليمية تعريف موقعها ووظيفتها الجيوسياسية. ويناقش المقال القيود التي تفرضها الجغرافيا السياسية على خيارات دمشق، والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية على إعادة تشكيل الدور السوري، وحدود قدرة الحكومة الجديدة على اتباع سياسة مستقلة في ظل هذه التفاعلات المعقدة.

أما في ملف الخليج، فيقدم باحث أول في مركز الخليج للدراسات محمد ساري الزعبي في مقاله “دول الخليج وإعادة تعريف الأمن والسيادة: مقدمة في السيادة التشابكية المسؤولة في الشرق الأوسط” مفهوم “السيادة التشابكية المسؤولة” بوصفه إطارًا نظريًا لفهم العلاقة بين الاعتماد الأمني على الحلفاء والانكشاف الاستراتيجي الناتج عنه. ويرى المقال أن الحرب دفعت دول الخليج إلى إعادة التفكير في معادلات الحماية التقليدية وأولوياتها الأمنية المستقبلية.

وفي السياق ذاته، تقدم الباحث المساعد في معهد السياسة والمجتمع رند عزم دراسة قائمة على أدوات الاستماع الرقمي حول تأثير الحرب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية على النقاش الرقمي الخليجي تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة، كاشفة عن تصاعد التشكيك الشعبي في فعالية المظلة الأمنية التقليدية، وتحولات إدراك الرأي العام الخليجي لمعادلات الأمن الإقليمي.

وفي الملف اللبناني، يناقش الباحث في الشأن اللبناني صهيب جوهر في مقاله “لبنان وحزب الله في زمن التحول: من معادلة الردع إلى اختبار إعادة التكيف” التحولات التي فرضتها الحرب على موقع حزب الله داخل لبنان والمنظومة الإقليمية، معتبرًا أن الحزب انتقل من فاعل يمتلك هامشًا واسعًا في معادلة الردع إلى فاعل تحكمه قيود داخلية وإقليمية ودولية متزايدة. ويحلل المقال محاولات الحزب الموازنة بين الحفاظ على دوره ضمن المحور الإيراني، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يستطيع لبنان تحمل كلفتها.

وفي قراءة للسياسة المصرية، يحلل الباحث المصري محمد عفان في مقاله “الموازنة الاستراتيجية: التموضع المصري المحسوب في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران” السياسة المصرية خلال الحرب بوصفها نموذجًا لـ“التموضع المرن”، القائم على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة، والتضامن مع دول الخليج، وتجنب الانخراط المباشر في الصراع، مع الحد من تداعيات تصاعد النفوذ الإسرائيلي على الأمن القومي المصري. كما يتناول المقال أثر الحرب على قضايا الطاقة، وقناة السويس، والعلاقات مع الخليج، ودور القاهرة كوسيط إقليمي أكثر من كونها قائدًا للنظام العربي.

ويقدم أستاذ علم الاجتماع السياسي بدر الماضي في مقاله “المشهد الإقليمي بعد الحرب: بين اختبار الاستقرار وإعادة تشكيل التوازنات” قراءة شاملة لمستقبل الشرق الأوسط بعد الحرب، من خلال تحليل التحولات التي أصابت بنية النظام الإقليمي، وانتقال المنطقة من مرحلة المحاور التقليدية إلى مرحلة أكثر سيولة وتعقيدًا. ويناقش المقال انعكاسات الحرب على إيران، ودول الخليج، والمشرق العربي، ومصر، والعراق، وإسرائيل، مبيّنًا كيف تعيد كل دولة تعريف أولوياتها وأدواتها في ظل تراجع فعالية نماذج الردع التقليدية، وارتفاع كلفة النفوذ، وصعود البراغماتية وإدارة المخاطر بوصفهما مرتكزين للنظام الإقليمي الجديد.

وفي ملف فلسطين، يناقش أستاذ العلوم السياسية إبراهيم ربايعة في مقاله “فلسطين في عين العاصفة الإقليمية: حصار وتهميش وإحلال” تأثير الحرب الإقليمية في إعادة ترتيب موقع القضية الفلسطينية داخل أولويات الشرق الأوسط، معتبرًا أن من أخطر نتائج الحرب انتقال فلسطين من مركز الاهتمام الإقليمي والدولي إلى ملف مؤجل داخل ترتيبات أمنية جديدة تركز على إيران والطاقة والممرات الإقليمية. كما يستعرض المقال الكيفية التي استغلت بها إسرائيل هذا التحول لتوسيع سياساتها في غزة والضفة الغربية، وتسريع مشاريع الحصار والاستيطان والإحلال، في ظل تراجع الضغوط الدولية وتزايد التحديات التي تواجه السلطة الفلسطينية والقضية الفلسطينية.

ويختتم العدد بمراجعتين لكتابين يوسّعان الإطار الفكري للنقاش؛ إذ تستعرض الباحث في معهد السياسة والمجتمع أنجيلا الفايز كتاب “الشرق الأوسط الأمريكي: تدمير الإقليم” للباحث الأمريكي مارك لينش، الذي يقدم قراءة نقدية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة، ويناقش استمرار الأهداف الاستراتيجية الأمريكية المرتبطة بالهيمنة، وأمن إسرائيل، وإدارة التوازنات الإقليمية. كما تقدم الباحث المساعد مريم البطوش مراجعة لكتاب “الإسلاميون ما بعد السابع من أكتوبر: سؤال الهوية والمصير”، الذي يبحث في مستقبل الحركات الإسلامية بعد أحداث السابع من أكتوبر، من خلال تتبع تحولات موقعها وعلاقتها بالدولة والمقاومة ومحور المقاومة والجهادية، ومستقبل الفاعلين الإسلاميين في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق واليمن وغيرها.

ويخلص العدد الخامس من المجلة الذي ستصدر نسخته العربية خلال أيام إلى أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لم تكشف فقط حدود الردع التقليدي في المنطقة، بل فتحت أسئلة أوسع حول معنى السيادة، ومستقبل التحالفات، وكلفة النفوذ، وموقع الدول العربية في نظام إقليمي ودولي يتغير بسرعة. كما يؤكد أن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط بنتائج المواجهة العسكرية، بل بقدرة الدول والمجتمعات على إعادة تعريف مصالحها، وبناء مقاربات أكثر استقلالًا ومرونة في التعامل مع عالم تتداخل فيه الجغرافيا السياسية بالاقتصاد، والأمن بالرأي العام، والتحالفات التقليدية بحسابات القوة الجديدة.

يُذكر أن المجلة الأردنية للسياسة والمجتمع JPS تصدر عن معهد السياسة والمجتمع، وهو مركز تفكير مستقل يعمل وفق مقاربة Think & Do Tank، ويعنى بإنتاج المعرفة التحليلية والبحثية المرتبطة بالسياسات العامة، وتعزيز النقاش الفكري حول القضايا السياسية والاجتماعية في الأردن والمنطقة، وربط البحث الأكاديمي بصناعة السياسات والفضاء العام.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى