الرواشدة تكتب: ليس كل من أطلق على نفسه لقبًا استحقه

بقلم: د.ميساء الرواشدة/ الجامعة الأردنية

مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي أصبحنا نقرأ في الآونة الأخيرة مقالات ونستمع إلى تصريحات لأشخاص يسبقون أسماءهم بألقاب مثل "كاتب" و"ناشط اجتماعي" و"دكتور"، حتى ظن البعض أن هذه الألقاب تمنح صاحبها حق الوصاية على المجتمع وإصدار الأحكام باسم الناس جميعًا.

لكن قبل أن نتعامل مع هذه الآراء على أنها حقائق، لا بد أن نسأل: من هو الكاتب؟ ومن هو الناشط الاجتماعي؟ ومن هو الدكتور؟
الكاتب ليس من يكتب منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما صاحب مشروع فكري ومعرفي، يحمل رسالة، ويطرح أفكارًا مبنية على العلم والمنطق، ويتحمل مسؤولية الكلمة وأثرها في المجتمع وغالبا يكون عضواً في رابطة الكتاب الأردنيين.

والناشط الاجتماعي ليس من يثير الجدل ويبحث عن الأضواء، وإنما من يعمل بين الناس، ويقدم مبادرات حقيقية تخدم المجتمع، ويعالج قضاياه بموضوعية ومسؤولية، لا بالشعارات والانفعالات.

أما لقب "الدكتور"، فهو لقب علمي له مكانته، ويُكتسب بعد سنوات طويلة من الدراسة والبحث العلمي وإنتاج المعرفة. لذا وجب التوضيح أن من يحمل دكتوراه فخرية ثم يقدم نفسه للناس وكأنه صاحب تأهيل أكاديمي متخصص، فذلك لا يمنحه الحق في توظيف اللقب لإضفاء سلطة علمية على آرائه، لأن الدكتوراه الفخرية تكريم اجتماعي أو ثقافي، وليست مؤهلًا أكاديميًا يجيز لصاحبها الحديث باسم التخصص أو الادعاء بالخبرة العلمية.
المشكلة ليست في الألقاب، بل في استغلالها لإقناع الناس بأن الرأي الشخصي حقيقة مطلقة، وأن من يخالفه فهو عدو للمرأة أو عدو للحرية أو عدو للتقدم.

وللأسف، وجدنا بعض من يقدمون أنفسهم بهذه الصفات يقودون حملات وينشرون مقالات تحت عنوان "الدفاع عن حقوق المرأة الأردنية"، حتى أصبح كل من يدعو إلى صون كرامتها أو مراعاة سلامتها متهمًا بأنه يريد إعادتها إلى المنزل وحبسها بين أربعة جدران.

وهنا يُطرح سؤال بسيط: ومن قال ومتى قال إن المرأة مكانها المنزل فقط؟ ومتى كانت الدعوة إلى احترام المرأة، أو الحرص على سلامتها في أماكن تشهد ازدحامًا شديدًا وتدافعًا، دعوةً إلى إقصائها عن المجتمع؟

إن احترام المرأة لا يعني عزلها، كما أن الحرص على سلامتها لا يعني الانتقاص من حقوقها. فالمرأة الأردنية أثبتت حضورها في الجامعات، والمستشفيات، والمحاكم، والمؤسسات العامة والخاصة، والجيش، والأجهزة الأمنية، والعمل التطوعي، والإعلام، والسياسة، وفي كل موقع يتطلب الكفاءة والتميز.

فهل اختُزلت كل هذه الإنجازات، وأصبح معيار تقدم المرأة وتحررها هو حضور مباراة في مدرج مزدحم يعج بالتدافع والفوضى؟
إن من انتقد وجود النساء في مثل تلك الأجواء لم يكن يعترض على خروج المرأة، بل كان يتحدث عن مكان محدد وظرف محدد، انطلاقًا من الحرص على سلامتها وكرامتها.

ولو كان الحديث عن كبار السن أو الأطفال في الظروف ذاتها، لكان الموقف نفسه.

بل إن آلاف العائلات الأردنية اجتمعت لحضورة مبارايات المنتخب الأردني في بطولة كأس العالم في المطاعم والمقاهي والأماكن العائلية، وجعلت من المباراة فرصة للفرح والاجتماع في بيئة آمنة وراقية، ولم ينقص ذلك من وطنيتها ولا من فرحتها بالإنجاز.

إن مشاركة المرأة في بناء المجتمع لا تُقاس بوجودها في أكثر الأماكن ازدحامًا، ولا يُختزل نجاحها في صورة أو مقطع فيديو من مدرج مكتظ، وإنما يُقاس بعلمها، وعملها، وأخلاقها، وإسهامها الحقيقي في نهضة وطنها.

وأخيرًا، من حق أي شخص أن يعبر عن رأيه، لكن ليس من حق أحد أن ينصب نفسه متحدثًا باسم جميع الأردنيات. فالمرأة الأردنية ليست بحاجة إلى من يفرض عليها مفهومًا واحدًا للتحرر، ولا إلى من يصور كل رأي مخالف على أنه عداء للمرأة.

الأردنيات نساء واعيات، يعرفن ما يليق بهن، ويدركن أن الكرامة لا تتعارض مع المشاركة، وأن الاحترام لا يتناقض مع الحرية، وأن الرقي ليس في الحضور في كل مكان، بل في حسن اختيار المكان الذي يحفظ لهن مكانتهن، ويجعل لحضورهن قيمة وهيبة واحترامًا.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى