عشوائية التخطيط و"إدارة البسطة" في القطاع السياحي والاستثماري

التاج الإخباري -

بقلم: نضال ملو العين ْ

في علم الاقتصاد والاستثمار الحديث، وتحديداً في القطاع السياحي، لا يوجد مكان للعشوائية، ولا يستقيم منطق غياب الخطط الاستراتيجية المرنة والبديلة التي تحاكي الواقع وتتأقلم مع متغيراته.

إن الإدارة الناجحة للملفات الاقتصادية تتطلب عقلية مؤسسية بعيدة المدى، وتلفظ تماماً عقلية "إدارة البسطة" أو المياومة التي تعتمد على ردود الأفعال اللحظية بدلاً من صناعة الفرص.

الفرص الضائعة: المونديال نموذجاً

تأهل منتخبنا الوطني "النشامى" إلى كأس العالم لم يكن حدثاً مفاجئاً أو وليد الصدفة، بل سبقه عام كامل من العمل والإنجاز والترقب.

ومع ذلك، غابت الحملات التسويقية والترويجية العالمية للأردن كوجهة سياحية واستثمارية تزامناً مع هذا الحدث التاريخي، ورغم كثرة الطروحات والأفكار التي قُدمت من جهات ومؤسسات عدة، إلا أن بوصلة التخطيط بقيت ساكنة.

إن الأحداث الرياضية العالمية تمثل منصات ذهبية لبناء "الهوية الوطنية السياحية" (Nation Branding)، وضياع مثل هذه الفرص يعكس فجوة عميقة في استغلال الزخم الدولي لصالح الاقتصاد الوطني.

أدوات عفا عليها الزمن

لم يعد مقبولاً اليوم تسويق منتج سياحي ومشروع وطني متكامل بالطريقة ذاتها التي يُسوّق بها منتج غذائي أو استهلاكي يُباع في "المول".

إن آلية الترويج عبر المطبوعات واللوحات الإعلانية في الشوارع أصبحت أساليب قديمة لا تقدم نتائج ملموسة؛ فهي صور تمر أمام عين المشاهد لثوانٍ وتختفي من الذاكرة سريعاً.

وفي المقابل، ليس من المنطق اختزال جهد الدولة التسويقي والترويجي عبر "مؤثرين" يقدمون محتويات لا تليق، أو يملكون جدوى تسويقية ضعيفة. فقد رصدنا دعوات لعدد كبير من المؤثرين، وكانت النتيجة ترويجاً يقتصر على "حالة" أو "ستوري" تختفي بعد 24 ساعة دون أي أثر مستدام.

التسويق السياحي الحقيقي هو صناعة تجربة وإقناع وبناء محتوى مرجعي دائم (Evergreen Content) عبر صناع محتوى متخصصين في السفر والمغامرة.

أين هو الاستثمار السياحي؟

حين نتحدث عن تسويق الاستثمار السياحي، يبرز السؤال الجوهري: أين هو؟ وكيف يتم تقديمه؟ وما هي أسسه وآلياته الواضحة للمستثمرين؟

إن الأساس المتين لاستقطاب الاستثمار الخارجي يبدأ أولاً من نجاح الاستثمارات القائمة على أرض الواقع، وطرح مشاريع نوعية تقدم أثراً حقيقياً ومباشراً على الاقتصاد والمجتمع المحلي.

ومن الأمثلة على المشاريع الاستراتيجية الغائبة، مقترح إنشاء "مطار البترا"، وهو مشروع كفيل بجعل الأردن مركزاً رئيسياً للسياحة في الشرق الأوسط ووجهة عالمية أولى، بدلاً من بقائه مجرد محطة عبور سريعة للسياح.

البنية التحتية والناقل الأردني

ترتبط ديمومة العمل السياحي والنمو الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً بـ"سهولة الوصول" (Accessibility)، وهذا يتطلب:

توسيع عمل الملكية الأردنية لضمان الحفاظ على خطوط النقل العالمية.
تأسيس شركة طيران منخفضة التكاليف بأيدٍ أردنية تكون صمام أمان يحمي القطاع من تقلبات الشركات الأجنبية وقراراتها التجارية المفاجئة.
تنمية المواقع السياحية وتطوير بنيتها التحتية، وتقديم خدمات سياحية منخفضة التكاليف تناسب مختلف الشرائح.
الرقمنة واللامركزية: الحلول الجدية

إن النهوض بالقطاع يتطلب ثورة إدارية وتقنية ترتكز على محورين رئيسيين:

أولاً: رقمنة القطاع بالكامل

تقديم خدمات إلكترونية ذكية، وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتصميم تجارب السياح، واستغلال منصات التواصل الاجتماعي بأعلى درجات الانتشار والجودة.

ثانياً: إعادة تنظيم تمثيل القطاع

عبر إنشاء "غرف سياحية متخصصة" في الأقاليم الرئيسية بالمملكة. إن منح هذه الغرف صلاحيات التطوير والتحديث والتسويق لمناطقها سيكسر البيروقراطية المركزية، ويسمح باستقطاب استثمارات نوعية تتناسب مع طبيعة كل منطقة وميزاتها التنافسية ومواسمها السياحية.

ثالثاً: الأصول الرقمية والاقتصاد المفتوح

أصبحت الأصول الرقمية اليوم اقتصاداً عالمياً متكاملاً يفتح المجال أمام الاستثمار الدولي ضمن سوق مفتوح، غير محصور بمجموعة محددة أو مستثمر واحد أو شركة بعينها، بما يسهم في خلق سلة اقتصادية جاذبة للاستثمار بالعملات الرقمية ورؤوس الأموال الحديثة.

إن الأردن يملك إرثاً ومقومات تضعه في مصاف الدول السياحية الكبرى، لكن تحويل هذه المقومات إلى أرقام ونمو اقتصادي حقيقي يتطلب إحراق "عقلية البسطة"، وإحلال عقلية "التخطيط الاستراتيجي الشامل والخطط البديلة المرنة" مكانها.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى