جوازات أردنية "مؤقتة" لحجاج فلسطينيي 1948
التاج الإخباري -
يواجه فلسطينيو الداخل المحتل عام 1948، الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، تحديات خاصة في طريقهم إلى أداء فريضة الحج، إلا أن الأردن يتيح لهم الوصول إلى الديار المقدسة عبر ترتيبات خاصة تنفذ بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية.
ومن منزلها في مدينة باقة الغربية داخل الخط الأخضر، انطلقت الدكتورة أسماء نادر غنايم إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج للمرة الأولى، بعد أن اختارت السفر جواً عبر الأردن للوصول إلى الأراضي المقدسة.
وتصف غنايم الحج بأنه رحلة استثنائية تختلف عن أي تجربة سفر أخرى، لما تحمله من أبعاد روحانية وإنسانية عميقة، خاصة بالنسبة لفلسطينيي الداخل الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.
وقالت إن الاستعدادات للحج استمرت لفترة طويلة وشملت الجوانب العائلية والشخصية والنفسية، مؤكدة أن الحج ليس مجرد انتقال جغرافي، بل تجربة إيمانية يشعر خلالها الإنسان وكأنه يولد من جديد، في رحلة عبادة وتقرب إلى الله.
وأضافت أن هذه المناسبة تمثل فرصة للتواصل مع المسلمين من مختلف أنحاء العالم وتعزيز الانتماء العربي والإسلامي، لا سيما في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة، مشيرة إلى أن الحج والعمرة يشكلان جسراً روحياً وثقافياً يربط الفلسطينيين بعمقهم العربي والإسلامي.
ولفتت إلى أن الدعاء لفلسطين وشعبها يبقى حاضراً في هذه الرحلة الإيمانية التي تتجلى فيها معاني التراحم والتواصل الإنساني.
وعقب نكبة عام 1948، واجه الفلسطينيون داخل الخط الأخضر واقعاً استثنائياً في أداء الشعائر الدينية، وعلى رأسها فريضة الحج، إذ لم تكن أبواب السعودية مفتوحة أمامهم بصورة مباشرة، ما أدى إلى غيابهم عن مواسم الحج لعقود.
غير أن هذا الواقع بدأ يتغير تدريجياً مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، حيث شهد عام 1978 انفراجة مهمة سمحت لفلسطينيي الداخل بأداء فريضة الحج ضمن ترتيبات خاصة تعتمد على الوساطة الأردنية والتنظيم غير المباشر.
وجاء ذلك بعد جهود واتصالات قادتها شخصيات وجهات إسلامية، من بينها الشيخ الراحل عبد الله نمر درويش، بالتعاون مع وزارة الأوقاف الأردنية وجهات إقليمية أخرى، ما أسهم في بلورة آلية تنظيمية خاصة بحجاج فلسطينيي الداخل.
كما رافقت هذه الجهود ترتيبات بين الحكومة الإسرائيلية آنذاك والعاهل الأردني الراحل الملك الحسين بن طلال، نصت على تولي الأردن رعاية وتنظيم شؤون حجاج فلسطينيي 48.
وقال المتحدث السابق باسم جمعية الحج والعمرة لمسلمي 48، عبد الرحيم فقرا، إن رحلات الحج والعمرة لفلسطينيي الداخل انطلقت فعلياً عام 1978 عبر ما وصفه بـ"المكرمة الأردنية"، التي أتاحت للحجاج والمعتمرين السفر إلى السعودية باستخدام جوازات سفر أردنية مؤقتة وضمن تنسيق كامل مع السلطات السعودية.
وأوضح أن هذا النظام لا يزال معمولاً به حتى اليوم، حيث يتم تخصيص نحو 4500 مقعد سنوياً لحجاج فلسطينيي الداخل، إضافة إلى عشرات الآلاف من المعتمرين، فيما تتولى وزارة الأوقاف الأردنية متابعة شؤونهم وتقديم التسهيلات والخدمات المتعلقة بالسفر والإقامة والتنقل.
وأضاف أن وزارة الداخلية الأردنية تتولى إصدار الجوازات الأردنية المؤقتة للحجاج والمعتمرين خلال فترة زمنية قصيرة، عبر إجراءات سريعة ومهنية، الأمر الذي أسهم في استمرارية الرحلات دون معوقات تذكر.
وأشار فقرا إلى أن بعثة فلسطينيي الداخل تعمل بالكامل تحت مظلة وزارة الأوقاف الأردنية وبتنسيق مباشر معها طوال موسم الحج والعمرة، فيما يتابع الجانب الأردني مختلف الإجراءات التنظيمية والإدارية مع السلطات السعودية.
وأوضح أن جمعية الحج والعمرة لفلسطينيي 48 تضم نحو 30 مبعوثاً وإدارياً يرافقون القوافل منذ انطلاقها من الداخل الفلسطيني وحتى وصولها إلى السعودية، ويتولون تنظيم السفر والتنقلات البرية والجوية، ومتابعة السكن والفنادق، والإشراف على الحافلات والتنقل بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى مرافقة الحجاج في المشاعر المقدسة ومتابعة أوضاع الخيام والخدمات الطبية والصحية على مدار الساعة.
وفي ما يتعلق بالتكاليف، أوضح فقرا أن أسعار الحج والعمرة تختلف بحسب مستوى الخدمات ونوعية الفنادق وقربها من الحرم المكي، مشيراً إلى وجود ثلاث درجات رئيسية لبرامج الحج تشمل فنادق خمس نجوم وفنادق متوسطة وخيارات أقل تكلفة.
وأكد أن أسعار رحلات فلسطينيي الداخل تعد من الأقل نسبياً مقارنة بدول أخرى، وتتحدد وفق مستوى الخدمات ووسائل السفر والإقامة.
وشدد فقرا على أن تجربة تسيير رحلات الحج والعمرة عبر الأردن أثبتت نجاحها واستقرارها على مدار عقود، معرباً عن تفضيله استمرار الرحلات تحت مظلة وزارة الأوقاف الأردنية.
من جهته، قال الإداري المسؤول في جمعية الحج والعمرة لمسلمي 48، نزيه أبو مخ، إن رحلات العمرة تُنظم على مدار العام وتشهد إقبالاً واسعاً، خصوصاً خلال فصل الصيف والعطل المدرسية، حيث تنظر إليها العائلات الفلسطينية باعتبارها فرصة تجمع بين العبادة والسياحة الدينية.
وأشار إلى أن تكلفة رحلة عمرة لمدة عشرة أيام في فنادق خمس نجوم تبلغ نحو ألفي دولار أميركي، وتشمل رسوم التسجيل والسفر والإقامة والمواصلات والجولات الدينية.
وأوضح أن لجنة الحج والعمرة تبدأ استعداداتها قبل أشهر من موعد السفر بالتنسيق مع وزارة الأوقاف الأردنية واللجان المحلية في البلدات العربية داخل الأراضي الفلسطينية، مبيناً أن الأولوية تُمنح عادة لمن لم يسبق لهم أداء الفريضة وفق معايير تنظيمية معتمدة سنوياً.
وأضاف أن الحجاج، رغم حملهم الجنسية الإسرائيلية، يسافرون ضمن البعثة الأردنية مستخدمين جوازات سفر أردنية مؤقتة، مؤكداً أن الأردن يوفر لهم الرعاية والاهتمام منذ لحظة المغادرة وحتى العودة.
وفي السياق ذاته، يواصل المجلس الإسلامي للإفتاء في الداخل الفلسطيني جهوده في مرافقة الحجاج عبر تنظيم محاضرات إرشادية ودروس فقهية متخصصة، إلى جانب توزيع كتب ومنشورات توضيحية تتناول أحكام الحج والعمرة بأسلوب مبسط.
وتأتي هذه اللقاءات ضمن سلسلة نشاطات سنوية تهدف إلى تهيئة الحجاج دينياً وفقهياً قبل السفر، والإجابة عن استفساراتهم المتعلقة بالمناسك والإحرام والتنقل بين المشاعر المقدسة.
كما يحرص المجلس على عقد لقاءات مباشرة مع الحجاج في مختلف المناطق لشرح مناسك الحج خطوة بخطوة وتوضيح أبرز الأحكام الفقهية التي يحتاجونها خلال الرحلة.
وقال رئيس المجلس الإسلامي للإفتاء، الشيخ الدكتور مشهور فواز، خلال لقاء مع حجاج من منطقة المثلث في مدينة باقة الغربية، إن المجلس يسعى من خلال هذه المحاضرات والإصدارات إلى تقديم الأحكام الأساسية المتعلقة بالحج بأسلوب مبسط وميسر، بما يساعد الحجاج على أداء الفريضة على علم وبصيرة.
وأضاف أن المجلس يعتمد منهج التيسير في الفتاوى المتعلقة بالحج نظراً لما تتطلبه الرحلة من جهد ومشقة، مؤكداً أن هذا النهج يستند إلى هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي المقابل، شدد على أهمية الحذر من الآراء الفقهية الشاذة أو الضعيفة، خاصة في المسائل التي لا تستدعي التخفيف، تجنباً لوقوع الحجاج في اللبس أو اتباع اجتهادات فردية غير معتمدة.
الرجاء الانتظار ...