حنين للأشياء التي لم تحدث : عن تلك الحياة التي لم نعشها بعد

التاج الإخباري -

بقلم: الطالبة ملك كريم السواعير

بإشراف المعلمة رهف الربايعة

ثمةٌ غصةٌ تسكن الحلق ، لا هي نتائج بكاء مضى ، ولا هي صدى لذكرى قديمة نعرف ملامحها ؛ بل هي ذلك النوع الغريب والغامض من الحنين الذي لا يلتفت للوراء ليفتش في ألبوم الصور ، بل يلتفت ل " المجاز " وللإحتمالات التي سقطت منا في زحام الأيام . نحن ، يا صديقي ، لا نحزن فقط على ما ضاع منا ، بل نحزن وبشدةعلى ما لم يحدث قط ، على تلك الطرق التي لم نسلكها رغم أنها كانت مشرعةً أمامنا ، وعلى تلك الكلمات التي ابتلعناها في اللحظة الأخيرة فصارت غصة أبدية ، وعلى الوجوه التي لمحتنا في محطات القطار ولم نلوح لها ، ثم اكتشفنا لاحقا أنها كانت " العمر " الذي ضاع في زحمة التردد ...

في مخيلة كل واحد منا "نسخة أخرى " منه، إنسان موازٍ يعيش حياةً كاملة خلف قضبان "ماذا لو" .
هذه النسخة التي امتلكت الشجاعة لترحل حين قررنا نحن البقاء بدواعي الاستقرار ، والتي اختارت الفن والجنون حين انصعنا نحن لمنطق الوظيفة والروتين ، والتي قالت " أحبك " في اللحظة التي تجمّد فيها لساننا خلف دار الكبرياء . هذا الحنين هو بكاء صامت على تلك الشخصية الموازية التي تسكن الآن مدناً لم نزرها ، وتضحك مع أشخاص لم نقابلهم ، وتنام تحت سقف آخر غير الذي يظلنا .

نحن لا نفتقد أشخاصاً بالمعنى المادي ، بل نفتقد "احتمالاتنا " التي لم تكتمل ، ونشتاق لذواتنا .

إن أصعب أنواع الشواق هو الذي نكنّه لقصص حب لم تبدأ اصلا ، ولصداقات عميقة بقيت في إطار "المصافحات العابرة " . إنها تلك الألفة الغامضة التي نشعر بها تجاه غريب في مقهى ، حيث توحى لنا أرواحنا أن هذا الشخص هو نصفنا الضائع ، لكننا نمضي في طريقنا ونتركه خلفنا ، ليظل السؤال ينهش الروح كالسوس : ماذا لو التفتنا ؟؟ هذا الحنين يقتات على الفراغ ، وينمو في المسافات الفاصلة بين الواقع والخيال ، محولاً العدم إلى ثقلٍ يربض على صدورنا في ليالي الأرق




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى