من البلديات الخدمية إلى المحافظات المنتجة .. أين يقف الشباب في مشروع الإدارة المحلية الجديد؟

التاج الإخباري -

بقلم: د. محمد عامر الركيبات

يشكّل إقرار الحكومة للأسباب الموجبة لمشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 محطة مفصلية في مسار تحديث الدولة الأردنية، ليس فقط لأنه يعيد صياغة العلاقة بين الإدارة المركزية والمحافظات، بل لأنه يطرح بصورة أكثر وضوحاً فكرة الانتقال بالمحافظات من وحدات خدمية تستهلك الموازنات إلى بيئات إنتاج وتنمية واستثمار قادرة على خلق الفرص وتحريك الاقتصاد المحلي.

ولعل ما يميز مشروع القانون الجديد أنه يتجاوز الشكل التقليدي للإدارة المحلية، ويتجه نحو مفاهيم أكثر حداثة ترتبط بالتخطيط الاستراتيجي، والتحول الرقمي، والشراكة مع القطاع الخاص، وإشراك المجتمع المحلي، وتعزيز الحوكمة والرقابة، وهي جميعها خطوات تستحق الإشادة إذا ما تم تطبيقها بصورة حقيقية على أرض الواقع.

كما أن إدخال مفاهيم جديدة مثل البنية التحتية الرقمية، والخطط الاستراتيجية والتنفيذية، ولجان الأحياء، ووحدات التنمية المحلية، وتنظيم الشراكة الاستثمارية مع القطاع الخاص، يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء إدارة محلية أكثر كفاءة وقدرة على مواكبة التحديات الاقتصادية والتنموية التي تواجه المحافظات الأردنية.

وفي هذا السياق، يبرز الشباب باعتبارهم أحد أهم عناصر نجاح هذا المشروع الوطني.

فالحقيقة أن الإدارة المحلية الحديثة لم تعد قائمة فقط على الخدمات التقليدية أو العمل البيروقراطي، بل أصبحت مرتبطة بإدارة المدن رقمياً، وتحليل البيانات، وتصميم المشاريع التنموية، واستقطاب الاستثمار، وتطوير الخدمات الذكية، وهي ملفات يمتلك الشباب فيها قدرة كبيرة على الإبداع والتطوير والابتكار.

كما أن مشروع القانون حمل مؤشرات إيجابية تتعلق بإشراك الشباب بصورة أكبر، سواء من خلال تمثيلهم داخل مجالس المحافظات، أو عبر تعزيز المشاركة المجتمعية ولجان الأحياء، أو من خلال فتح المجال أمام المشاريع الاستثمارية والتنموية والشراكات التي يمكن أن تشكل مساحة حقيقية للشباب للدخول في الاقتصاد المحلي وريادة الأعمال.

لكن في المقابل، فإن تمكين الشباب لا يجب أن يبقى محصوراً بالنصوص أو التمثيل الشكلي، بل يحتاج إلى اشتباك حقيقي من الشباب أنفسهم مع مشروع الإدارة المحلية الجديد، ومع صناع القرار، والأحزاب، والمجالس المحلية، لضمان حضورهم الفعلي داخل منظومة الإدارة المحلية المقبلة.

فالمرحلة القادمة تتطلب من الشباب أن يكونوا أكثر انخراطاً في النقاشات العامة المتعلقة بالقانون، وأكثر حضوراً في العمل الحزبي والبلدي والتنموي، لأن الإدارة المحلية خلال السنوات المقبلة لن تكون مجرد ملف خدمات، بل ستكون مساحة رئيسية لصناعة التنمية والاستثمار وخلق فرص العمل داخل المحافظات.

كما أن نجاح هذا المشروع يحتاج إلى تغيير الثقافة السائدة لدى جزء من الشباب تجاه العمل البلدي والمحلي، باعتباره مساحة محدودة التأثير، بينما الحقيقة أن المحافظات ستكون في المرحلة المقبلة أحد أهم مراكز القرار التنموي والاقتصادي المحلي.

الأردن اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء الإدارة المحلية بصورة أكثر حداثة وكفاءة، لكن نجاح هذه الفرصة لن يتحقق بالقوانين وحدها، وإنما بوجود مجتمع محلي قادر على التفاعل معها، وشباب يمتلكون الرغبة في المشاركة والتأثير وصناعة القرار.

فالمستقبل لن يكون للمحافظات التي تنتظر الدعم فقط، بل للمحافظات التي تستطيع إنتاج فرصها بنفسها، وقيادة تنميتها بعقول وسواعد أبنائها، وفي مقدمتهم الشباب الأردني.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى