دركجيان يكتب: الأردن أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء بيئته الاستثمارية الرقمية
التاج الإخباري -
بقلم: جون بولص دركجيانلم يعد الحديث عن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ترفاً فكرياً أو شعاراً إعلامياً تتداوله الحكومات في المؤتمرات والمنتديات، بل أصبح معياراً أساسياً لقياس قدرة الدول على المنافسة والبقاء ضمن خارطة الاقتصاد العالمي الجديد. واليوم، إذا كان الأردن يسعى فعلاً لتحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، فإن المطلوب لم يعد يقتصر على دعم ريادة الأعمال أو إطلاق المبادرات الرقمية، وإنما الذهاب نحو مراجعة شاملة وعميقة للبيئة الاستثمارية المرتبطة بقطاعات التكنولوجيا والابتكار والاقتصاد الرقمي.
الأردن يمتلك عناصر قوة حقيقية تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً متقدماً في هذا المجال؛ فلدينا طاقات شبابية مؤهلة، وكفاءات تقنية أثبتت حضورها في أكبر الشركات العالمية، وبنية اتصالات متطورة نسبياً مقارنة بالمنطقة، إضافة إلى موقع جغرافي واستقرار سياسي يمنحان المملكة ميزة تنافسية مهمة. لكن رغم كل ذلك، ما تزال البيئة التنظيمية والاستثمارية تسير بوتيرة أبطأ من التحولات العالمية المتسارعة، الأمر الذي يتطلب مراجعات جادة وسريعة تواكب طبيعة الاقتصاد الجديد.
العالم اليوم لم يعد ينتظر المستثمر التقليدي فقط، بل يتنافس على جذب الشركات الناشئة، والمشاريع الرقمية، ومنصات التكنولوجيا، ومراكز الذكاء الاصطناعي، والاستثمارات القائمة على المعرفة والبيانات. وهذه القطاعات بطبيعتها تحتاج إلى بيئة مختلفة تماماً عن تلك التي صُممت لعقود لخدمة القطاعات التقليدية. فالمستثمر التكنولوجي يبحث عن السرعة والمرونة والوضوح التشريعي، ويقارن بين عشرات الدول خلال أيام قليلة قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
ومن هنا، فإن الحكومة مطالبة اليوم بإعادة النظر في الأنظمة والتعليمات المرتبطة بالاستثمار الرقمي والتكنولوجي، والعمل على بناء منظومة أكثر قدرة على استيعاب طبيعة هذه القطاعات الحديثة، سواء فيما يتعلق بإجراءات تأسيس الشركات، أو آليات الترخيص، أو الحوافز، أو تصنيف المشاريع الاستراتيجية، أو حتى طريقة تعامل المؤسسات الرسمية مع هذا النوع من الاستثمارات.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق الحوافز الاستثمارية الموجهة نحو قطاعات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والتطبيقات والمنصات الرقمية، والأمن السيبراني، والصناعات الإبداعية والإعلامية الرقمية، والبحث والتطوير، باعتبارها قطاعات تمتلك قدرة حقيقية على خلق قيمة اقتصادية عالية وتوفير فرص عمل نوعية للشباب الأردني.
ولا يمكن الحديث عن اقتصاد رقمي تنافسي دون وجود بيئة داعمة للشركات الناشئة والاستثمار الجريء، فهذه الشركات أصبحت اليوم محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي في العالم. لذلك، فإن الأردن بحاجة إلى سياسات أكثر مرونة في دعم صناديق الاستثمار الجريء، وتحفيز التمويل التكنولوجي، وتمكين المشاريع الناشئة من الوصول إلى المزايا والحوافز الاستثمارية بطريقة أكثر عدالة ووضوحاً.
ومن القضايا الجوهرية أيضاً ضرورة إعادة تعريف مفهوم “المشروع الاستراتيجي” داخل البيئة الاستثمارية الأردنية، بحيث لا يبقى مرتبطاً فقط بحجم الإنشاءات أو رأس المال التقليدي، بل يشمل كذلك المشاريع الرقمية ذات الأثر الاقتصادي العالي والقابلة للنمو الإقليمي والعالمي. فالكثير من الشركات التي تقود الاقتصاد العالمي اليوم بدأت بأفكار صغيرة ومساحات عمل محدودة، لكنها امتلكت بيئة قادرة على احتضان النمو وتحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية ضخمة.
كما أن تعزيز الشفافية الاستثمارية بات أمراً ضرورياً في المرحلة المقبلة، من خلال توحيد المرجعيات، وتبسيط الإجراءات، ونشر المتطلبات والرسوم والمدد الزمنية بشكل واضح ومحدث، بما يمنح المستثمر المحلي والأجنبي ثقة أكبر بوضوح البيئة التنظيمية واستقرارها.
وفي ظل التحولات العالمية الكبرى، فإن الأردن بحاجة أيضاً إلى إعطاء أولوية أكبر للاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا المستدامة والابتكار الرقمي ضمن سياساته الاستثمارية، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من رؤوس الأموال العالمية بات يتجه نحو القطاعات المرتبطة بالاستدامة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
لقد أثبت الشباب الأردني خلال السنوات الماضية أن لديه القدرة على المنافسة والإبداع عالمياً، لكن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في قدرة الدولة على بناء بيئة تجعل هذه العقول تؤسس شركاتها وتنمو من داخل الأردن، لا أن تتحول إلى قصص نجاح تُبنى خارج حدوده.
المنافسة الإقليمية أصبحت أكثر شراسة من أي وقت مضى، والعديد من الدول في المنطقة قطعت شوطاً كبيراً في تحديث بيئاتها الاستثمارية الرقمية واستقطاب الاستثمارات التكنولوجية العالمية. ولذلك، فإن الأردن أمام لحظة مفصلية تتطلب قرارات جريئة ورؤية اقتصادية حديثة تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها قطاعاً استراتيجياً يقود النمو خلال العقود المقبلة، لا مجرد قطاع ثانوي ضمن الاقتصاد.
إن بناء اقتصاد أردني أكثر قوة واستدامة لن يتحقق بالأدوات التقليدية وحدها، بل بقدرة الدولة على التحول إلى بيئة جاذبة للمعرفة والابتكار والاستثمار الرقمي. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحّة لأن تبدأ الحكومة مراجعة شاملة للأنظمة والتشريعات الاستثمارية المرتبطة بقطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، لأن المستقبل الاقتصادي الحقيقي يُبنى هنا في اقتصاد المعرفة والابتكار والتكنولوجيا
الرجاء الانتظار ...