الحواتمة يكتب: قبةٌ في الأفق… وذاكرةٌ تعود من الغياب
التاج الإخباري -
بقلم: عضو مجلس الأعيان الباشا حسين الحواتمةيطلّ مكتبي في مجلس الأعيان على مشهد يبدو، في ظاهره، عاديًا: نافذة واسعة، مدينة تتوزع في الأفق، وقبة زرقاء تستقر بهدوء فوق امتداد العمران. غير أن بعض المشاهد لا تُختزل في صورتها البصرية، بل تتحول مع الزمن إلى مفاتيح لذاكرة بعيدة، تستدعي ما ظننّاه مضى، وتعيد ترتيب الزمن داخلنا. فمن بين إيقاع المسؤوليات اليومية، أجد نفسي أحيانًا أتوقف طويلًا أمام تلك الإطلالة. هناك تستقر قبة مسجد الملك الحسين في العبدلي، بلونها الأزرق المتدرج، كأنها ليست مجرد عنصر معماري في المشهد، بل حضور بصري لفكرة الطمأنينة ذاتها.
كلما وقعت عيناي على تلك القبة، يعود بي الزمن تلقائيًا إلى عام 1988. في ذلك العام، كنت في الثانية والعشرين من عمري، برتبة ملازم أول في القوات الخاصة الأردنية، حين تم ابتعاثي إلى الولايات المتحدة للمشاركة في دورة قوات خاصة في قاعدة فورت براغ، بولاية نورث كارولينا، أكبر قاعدة للمظليين في العالم، ومقر الفرقة 82 المحمولة جوًا، وتصنف دورة القوات الخاصة على انها من أصعب الدورات التي يدخلها ضابط القوات الخاصة في اميركا.
وكانت القوات الخاصة الأردنية آنذاك تمثل إحدى أكثر المؤسسات العسكرية اقداما وكفاءة، بروحها النخبوية العالية وقدرتها على العمل في البيئات المعقدة. ولم تمضِ سنوات حتى دخلت هذه المؤسسة مرحلة تحول أكثر عمقًا، حين قاد اللواء الركن عبد الله بن الحسين، في ذلك الوقت (جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله) ومعه رجال آمنوا بأن المؤسسة القوية ليست تلك التي تكتفي بإرثها، بل التي تملك شجاعة التطور، مسارًا نوعيًا نقل هذا التشكيل من مفهوم القوات الخاصة التقليدي إلى إطار أكثر اتساعًا وتحديثًا، هو العمليات الخاصة. لم يكن التحول مجرد تعديل تنظيمي أو تغيير في التسمية، بل إعادة تعريف للعقيدة العملياتية ذاتها؛ انتقالًا من التركيز على المهام التقليدية إلى بنية أكثر مرونة وتعقيدًا، تستوعب طبيعة التهديدات الحديثة، حيث تتقاطع مكافحة الإرهاب، والعمليات غير التقليدية، والعمل الاستخباري، والجاهزية السريعة، في فضاء أمني يتغير باستمرار.
في ذلك العمر، يكون الإنسان ممتلئًا بإحساس داخلي بأن العالم ما يزال في بدايته، وأن الإرادة وحدها كافية لفتح الطرق المغلقة. كانت التجربة، بكل تفاصيلها، مختلفة عمّا عرفته: تدريب قاسٍ، وانضباط صارم، وغابات كثيفة تتحول فيها الطبيعة إلى جزء من الاختبار اليومي.
لكن التحدي الحقيقي لم يكن التدريب فقط، بل الغربة نفسها. فأن تكون بعيدًا عن وطنك للمرة الأولى، وعن الوجوه التي تمنح أيامك معناها دون أن تشعر، هو اختبار آخر لا يدخل ضمن البرنامج التدريبي.
كنت أعدّ الأيام بطريقة مختلفة، وأنتظر الرسائل كما ينتظر المسافر دليلًا صغيرًا على أن المسافة لم تقطع خيطه تمامًا بما تركه خلفه. وكنت، على وجه الخصوص، أنتظر رسالة من اخوتي ووالدتي، رحمها الله، التي كنت أعلم أن غيابي كان أثقل عليها من الغياب نفسه.
كل يوم أحد، كانت تصل سيارة البريد، ويتجمّع الجنود حول ضابط العلاقات العامة بترقب واضح، كأن كل واحد منهم ينتظر أن يستعيد جزءًا من حياته عبر ظرف صغير. في ذلك الزمن، لم تكن الرسائل تصل سريعًا كما هو الحال اليوم؛ كان وصول الرسالة من الأردن إلى الولايات المتحدة يحتاج، في العادة، إلى ما لا يقل عن أسبوعين، وأحيانًا أكثر. ولذلك، كان الانتظار جزءًا من التجربة نفسها، لا يقل وطأة عن الغربة. وفي أحد تلك الأيام، انتظرت اسمي طويلًا، لكنه لم يُنادَ. اقتربت من الضابط، وسألته بصمت يسبق الكلمات، فأجابني بهدوء لا توجد رسائل لك هذه المرة، كانت جملة قصيرة، لكنها في الغربة تحمل وزنًا مختلفًا. لم يكن غياب الرسالة مجرد تأخر بريد، بل شكلًا آخر من الصمت، وفراغًا لا يفهمه إلا من ينتظر أثرًا صغيرًا من وطن بعيد. ربما أدرك الضابط بكثافته الإنسانية العالية ما مرّ داخلي في تلك اللحظة، فجلس إلى جانبي محاولًا التخفيف من وطأة الخيبة الصامتة، ثم قال لي ببساطة: لا تقلق، عندما تصل أي رسالة سأحضرها لك فورًا. وبعد لحظة، أضاف، كمن يبحث عن شيء يربطني بالوطن: قرأت اليوم أن الملك الحسين، رحمه الله، افتتح مسجده الجديد في عمّان. ابتسمت يومها؛ إذ كان مجرد سماع شيء عن الوطن، وسط تلك المسافات الشاسعة، كافيًا لأن يعيد إلى المكان شيئًا من الألفة، وأن يمنح الغربة استراحة قصيرة. ثم شرحت له، بحكم فضوله، أن المساجد لله، وأن تسمية المسجد باسم من يرعاه أو يساهم في بنائه ليست إلا طريقة لتعريف المكان ومنحه عنوانًا. مضت الأيام بعدها كما تمضي الحياة دائمًا؛ بسرعة أكبر مما نظن. تنقلت بين مواقع الخدمة والمسؤولية، وتبدلت المراحل والأدوار، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا: ذلك الشاب الذي كان يقف في فورت براغ منتظرًا رسالة من الوطن، لم يغادرني تمامًا. وما لم يخطر ببالي يومًا، وأنا هناك في تلك الغربة البعيدة، أن يأتي زمن أجاور فيه هذا المسجد نفسه ولو جوار وظيفي، وأن تصبح قبته جزءًا من المشهد اليومي الذي أراه من نافذة مكتبي. لم أتوقع أن يتحول ذلك الخبر العابر، الذي سمعته ذات يوم في قاعدة عسكرية بعيدة، إلى جزء من واقعي اليومي: مسافة قصيرة بين نافذة وقبة، وبين حاضر وذاكرة. ومع التقدم في العمر، يكتشف الإنسان أن الزمن لا يتحرك في خط مستقيم كما تخيل في بداياته، بل يعود إلينا في دوائر هادئة، يعيد وصل ما انقطع، ويمنح الأحداث القديمة معاني لم نكن نملكها لحظة وقوعها.
لهذا، لم تعد تلك القبة بالنسبة لي مجرد معلم معماري في الأفق، بل صارت شاهدًا صامتًا على رحلة كاملة: من شاب يتعلّم معنى الغربة والانضباط والحنين، إلى رجل يرى العمر من نافذة مختلفة، ويدرك متأخرًا أن بعض الأماكن لا نحفظها في ذاكرتنا فحسب، بل تحفظنا هي أيضًا
الرجاء الانتظار ...