من المكاتب إلى أرض الميدان .. هل نجح جعفر حسان في كسر النمط التقليدي؟
التاج الإخباري -
بقلم: همام الفريحات.في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة تمر بها المنطقة، تبدو حكومة الدكتور جعفر حسان وكأنها دخلت اختباراً من نوع مختلف، اختبار لا يعتمد على حجم الخطط أو كثافة التصريحات، بل على القدرة على تحويل الدولة من إدارة تعتمد على المركزية والملفات الورقية، إلى إدارة تتحرك فعلياً في الميدان، حيث تُقاس النتائج بما يُنجز على الأرض لا بما يُكتب في التقارير.
منذ بداية عملها، اتجهت الحكومة إلى ترسيخ حضور ميداني واضح، يعكس رغبة في كسر النمط التقليدي الذي طالما حكم العمل العام. لم تعد المحافظات مجرد أرقام في جداول المتابعة، بل أصبحت محطات دائمة للزيارة والتقييم، حيث تنتقل الحكومة بشكل دوري إلى المواقع، وتتعامل مع الملفات في بيئتها الحقيقية، وتستمع مباشرة إلى احتياجات المواطنين، بعيداً عن الوساطة الإدارية أو التجميل المؤسسي.
هذا الحضور الميداني لم يكن رمزياً، بل حمل طابعاً تنفيذياً واضحاً، خاصة مع التركيز على الألوية والمناطق شديدة الفقر، التي ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام الكافي.
اليوم، أصبحت هذه المناطق جزءاً أساسياً من أجندة العمل الحكومي، حيث يتم رصد احتياجاتها بشكل مباشر، ومحاولة دفع مشاريع خدمية وتنموية تسهم في تقليص الفجوات بين المركز والأطراف، وإعادة توزيع الاهتمام بشكل أكثر عدالة.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز مشروع الناقل الوطني للمياه كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تعكس هذا التحول في النهج. فالمشروع الذي يرتبط مباشرة بالأمن المائي للدولة، انتقل من مرحلة التأجيل الطويل إلى مسار التنفيذ، في إشارة واضحة إلى أن بعض الملفات الكبرى لم تعد تُدار بمنطق الانتظار، بل بمنطق القرار والتنفيذ الفعلي.
ورغم هذا الحراك الملحوظ، فإن التحدي الحقيقي لا يزال قائماً: هل يمكن لهذا النهج الميداني أن يتحول إلى ثقافة مؤسسية شاملة داخل الدولة؟ أم يبقى مرتبطاً بزخم القيادة المباشرة فقط؟ فنجاح أي تجربة إصلاحية لا يُقاس فقط بسرعة الانطلاق، بل بقدرتها على الاستمرار والتوسع داخل كل مستويات الإدارة العامة.
وبعد مرور عامين على هذا المسار، يصبح المشهد أكثر وضوحاً. فإما أن تكون الحكومة قد نجحت في ترسيخ نموذج جديد، تُقاس فيه الدولة بإنجازاتها الفعلية على الأرض، من تحسين الخدمات في المحافظات إلى تقدم المشاريع الاستراتيجية، ومن تقليص الفجوات التنموية إلى رفع كفاءة الاستجابة الحكومية، أو أن يظل هذا النهج خطوة متقدمة لكنها غير مكتملة التحول.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً، لكنه حاسم: هل استطاعت حكومة جعفر حسان أن تكسر فعلاً النمط التقليدي في إدارة الدولة، أم أنها ما زالت في منتصف الطريق بين الإصلاح العميق والاستمرارية المؤقتة؟ الإجابة لن تأتي من الخطاب، بل من الأرض نفسها، حيث يُكتب الحكم الحقيقي بلغة الإنجاز لا الكلمات.
الرجاء الانتظار ...