من "الوطنية العاطفية" إلى "مواطنة الدولة القانونية"

التاج الإخباري -

بقلم: رنج باراوي

قراءة في استراتيجية المواطنة بالأردن وآفاق الاستفادة منها في إقليم كوردستان

حين حزمت حقائبي متوجهاً إلى المملكة الأردنية الهاشمية، لم أكن أعلم أنني بصدد رحلة ستغير مفاهيمي كباحث وكشخص منظماتي قبل أن تغيرني كإنسان. قضيت عاماً في قلب هذا البلد، لم أكن فيه مجرد عابر سبيل، بل كنت غواصاً في وجدان المجتمع الأردني، أحاول فك شفرة ذلك الرابط الغريب الذي يجمع بين "الوطنية" كعاطفة جياشة وبين "المواطنة" كفعل يومي منضبط. من هناك، وتحديداً من أروقة "جامعة اليرموك" العريقة في إربد، حینما كنت طالب دراسات العلیا ،أدركت كيف يمكن للبيئة الأكاديمية والاقتصادیة والٲداریة والقانونية أن تصيغ هوية الإنسان وتجعله حارساً أميناً على كيان دولته. هذا المقال ليس مجرد تحليل، بل هو شهادة حية ورؤية استراتيجية لنقل هذه العدوى الإيجابية إلى بيئتنا في إقليم كوردستان ،كنت اعتمد علی المعایشة اكثر من الانصات .

أولاً: اليرموك.. حين تتحول الجامعة إلى "وطن صغيـر"
في رحاب جامعة اليرموك كنت مرتبكا ٲولا بسبب مما ٲصبت بالصدمة (التصادم بین الحضارتین)ولكن ٲستمرت رغم كل العوائق ، لم تكن المحاضرات هي الدرس الوحيد. كنت شاهداً على ما أسميه "المواطنة العلمية". رأيت كيف تتحول الجامعة من مجرد قاعات للتدريس إلى "مختبر للوعي الوطني". هناك، لا يُدرس القانون والاقتصاد والادارة كنصوص جافة، بل يُمارس كأداة لبناء الثقة بين الفرد والمؤسسة. رأيت الطالب الأردني يرى في "الحرم الجامعي" نموذجاً مصغراً للدولة؛ يحترم مرافقها، يقدس نظامها، ويشعر أن نجاحه الأكاديمي هو لبنة في جدار الوطن. لقد كانت تجربتي في اليرموك درساً بليغاً في أن المعرفة هي التي تصنع جسور الثقة، وهي التي تعلم الإنسان أن حقوقه لا تستقيم إلا إذا قام بواجباته أولاً.

ثانياً: حب الوطن في الأردن.. وجدانٌ لا ينام وهيبة لا تُمس
إذا أردت أن تفهم الأردن، فعليك أن تنظر إلى عيون الأردنيين حين يتحدثون عن بلدهم. هناك "عشق وطني" يتجاوز الشعارات؛ هو شعور بالملكية والمسؤولية. الأردني يرى في الدولة "ظهره" الذي يستند إليه، وفي المقابل يراها "بيته" الذي لا يسمح لأحد بتدنيسها بتاتا. هذا الحب ليس مجرد أغانٍ وطنية، بل هو "حرص"؛ حرص على هيبة مؤسسات الدولة، وحرص على استقرار الشارع. في الأردن، حب الوطن يعني أن القانون هو المظلة التي تحمي الجميع، وأن المساس بنظام الدولة هو مساس بكل فرد في المجتمع. هذا "العنفوان الوطني" المنضبط هو ما ينقصنا أحياناً في الإقليم؛ أن نعشق كوردستان ليس فقط بالدم والتضحية، بل بالالتزام والحرص على بناء مؤسسات لا تهتز خلال المواطنة الفاعلة.

ثالثاً: العبقرية الدستورية.. كيف نُصنع المواطنة؟
كباحث في القانون بعد ٲعوام من ٲول التجربة في ٲلاردن خلال رحلات العمل ، استوقفني دستور عام 1952، الذي أعتبره "مانيفستو" المواطنة الأردنية. في المادة (6)، هناك سحر قانوني؛ "الأردنيون أمام القانون سواء". هذه الكلمات البسيطة حوّلت الانتماء من مجرد "تبعية" للحاكم إلى "انتماء طوعي" للدولة ككيان. ثم جاء قانون الجنسية لعام 1954 ليضع النقاط على الحروف؛ المواطنة عقد مقدس، تبادلي بامتياز؛ الدولة تلتزم بحماية كرامتي وحقوقي، وأنا ألتزم لها بالولاء والإخلاص والعمل. هذا الوضوح الدستوري هو ما جعل الأردني يشعر بالأمان، والأمان هو ما يولد الولاء وعلی ٲلسنتهم دوما عبارة الوطنیة "ٲلاردن ٲولا".

رابعاً: مدرسة الحسين والرواد.. القيادة بالقدوة
لا يستقيم الحديث دون ذكر المغفور رحمه ٲلله، (الملك الحسين بن طلال)، "باني النهضة" الذي غرس في الأردنيين أن "الإنسان أغلى ما نملك". هذه لم تكن جملة دعائية، بل كانت نهج دولة. ومع الحسين، كان هناك "رجال دولة" حقيقيون؛ (وصفي التل) الذي علم الناس أن المواطنة هي "عرق وتعب في الميدان"، و(هزاع المجالي) و(زيد الرفاعي)، الذين بنوا مؤسسات قائمة على هيبة القانون والعدالةوٱحترام المواطنین. هؤلاء القادة زرعوا في المواطن أن الدولة ليست "عدواً" أو "صرافاً آلياً"، بل هي شرف الفرد وكيانه، مما رسخ مفهوم الدولة العميقة في عقل أصغر مواطن أردني.علی الرغم من المصاعب الحیاة المتمثلة بغلاء الاسعارة وصعوبة في دفع الظرائب.
في إقليم كوردستان، نحن نعيش حالة التناقض الصارخ. نحن "وطنيون" حتى النخاع، مستعدون للتضحية بأرواحنا من أجل الجبال والتراب، وهذا عظيم. لكننا نعاني من نقص في :"المواطنة" بمعناها المؤسساتي.

في الإقليم، لا يزال الولاء للحزب أو القبيلة يتقدم أحياناً على الولاء للدولة وقد ٲدی هذا المودیل ٳلی ٲنقسام الرؤویا حول الوطن والوطنیة . في الأردن، تعلمت أن الحزب وسيلة، لكن "الدولة" هي الغاية الوحيدة ثم الوحیدة.
علاوة علی ذلك، ٲن المواطنة في النموذج الأردني تبدأ من احترام القواعد البسيطة في الشارع، بينما في الإقليم لا نزال نحتاج لترسيخ فكرة أن احترام القانون هو قمة الوطنية، وليس ضعفاً أو انتقاصاً من القوة.
لقد شهدت في الأردن كيف يمارس الناس حقهم في التعبير بموجب المادة (16) من الدستور. ما أذهلني هو ذلك "الرقي المدني"؛ المواطن يخرج ليطالب بحقه، يصرخ ضد السياسات ،ضد الغلاء ،ضد الظرائب الباهضة علی ٲكتافهم، لكنه لا يكسر زجاجاً ولا يخدش حائطاً حكومياً ولایندد بٲسقاط المملكة ، لماذا؟ لأنه يدرك بعقله وقلبه أن هذه الممتلكات هي "بيته الكبير" الذي بناه والده وسيسكنه ابنه. هذا الفهم العميق هو ما نحتاجه في كوردستان؛ أن نتعلم كيف نعارض السلطة دون أن نهدم الدولة، وكيف نحمي "وجه الوطن" حتى في ذروة غضبنا .
بناءً على ما عشته وشاهدته، لا يكفي أن نحب كوردستان بقلوبنا، علينا أن نحبها بـ "قانوننا". وهذه هي خارطة الطريق التي أراها ضرورية:
۱. نحتاج إلى دستور يجعل من "المواطنة" المعيار الوحيد للحقوق والواجبات، لا الحزب ولا العشيرة ولا النفوذ.
۲.يجب تحويل المواطنة من دروس تاريخ جافة إلى ممارسة سلوكية في المدارس والجامعات، ليتعلم الطفل أن رمي ورقة في الشارع هو "خيانة" صغرى لهذا الوطن. نحن، نحتاج لإعلام يرسخ صورة "المواطن المسؤول"، ويفكك الارتباط بين "الوطنية" و"الحزبية".
لقد علمتني رحلتي من أزقة إقليم كوردستان إلى قاعات جامعة اليرموك أن "العاطفة تبني الثورات، لكن القانون هو الذي يبني الدول". نحن بحاجة ماسة للانتقال من مرحلة "الانتماء العاطفي" الذي نملك منه الفائض، إلى رحاب "المواطنة القانونية" لنضمن أن يظل إقليمنا قوياً ومستداماً للأجيال القادمة. فليكن حبنا لكوردستان كحب الأردنيين لوطنهم: "عشقاً في القلب، وانضباطاً في السلوك".




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى