القضاه تكتب: قراءة في خطاب سمو ولي العهد: الشباب قوة الوطن
التاج الإخباري -
بقلم : ميس القضاهيحمل خطاب سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني في حفل تخريج منتسبي خدمة العلم في الأردن أبعادًا تتجاوز حدود المناسبة، ليغدو نصًا تأسيسيًا يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، ويضع الشباب في مركز هذه المعادلة بوصفهم الفاعل الأهم في صياغة الحاضر واستشراف المستقبل.
ينطلق الخطاب من مدخل شخصي ذي دلالة، حيث يقدّم سموه نفسه بوصفه “ابن جندي”، في ربط واعٍ بين التجربة الفردية والهوية الوطنية. غير أن هذا التقديم لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يمهد لرسالة أعمق مفادها أن القيم التي تُبنى عليها الدول كالانضباط، والالتزام، وروح المسؤولية هي ذاتها القيم التي يُراد ترسيخها في وعي الشباب الأردني. ويزداد هذا المعنى عمقًا مع استحضار إرث الحسين بن طلال، بما يعزز استمرارية النهج ويمنح الشباب امتدادًا تاريخيًا يشعرهم بأنهم جزء من مسيرة وطنية متصلة.
في هذا السياق، لا يُقدَّم الشباب في الخطاب كفئة عمرية تحتاج إلى التوجيه فحسب، بل كـطاقة استراتيجية تمثل ركيزة قوة الدولة. فخدمة العلم، كما يعيد الخطاب تعريفها، ليست مجرد برنامج تدريبي، بل منصة لإعادة تشكيل وعي الشباب، وصقل شخصياتهم، وتحويلهم من متلقين إلى مبادرين. إنها تجربة تعيد ترتيب الأولويات، وتغرس فيهم معنى الالتزام الحقيقي، وتدفعهم إلى إدراك أن دورهم لا ينتهي عند حدود التدريب، بل يبدأ منها.
ويبرز البعد الشبابي بشكل أكثر وضوحًا في دعوة سموه إلى تعبئة الطاقات الشابة، باعتبارها استثمارًا وطنيًا طويل الأمد. فالشباب، وفق هذا التصور، ليسوا فقط مستقبل الدولة، بل حاضرها الفاعل، والقوة القادرة على تحويل التحديات إلى فرص. وفي ظل عالم يشهد تحولات متسارعة خاصة في مجالات التكنولوجيا والمعرفة— ُعاد تعريف دور الشباب ليكونوا في طليعة هذا التحول، من خلال امتلاك المهارات، والانخراط في الابتكار، والمساهمة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة.
ولا ينفصل هذا الطرح عن قراءة واقعية للتحديات الإقليمية والدولية، حيث يضع الخطاب الشباب أمام مسؤولية مضاعفة: فهم ليسوا فقط معنيين ببناء ذواتهم، بل أيضًا بحماية استقرار وطنهم وتعزيز تماسكه. ومن هنا، يتقاطع البعد الشبابي مع مفهوم “الأردن أولًا”، الذي يتحول من شعار عام إلى ممارسة يومية يجسدها الشباب في سلوكهم، وعملهم، وانتمائهم.
كما يقدّم الخطاب رؤية متقدمة لدور الشباب في سوق العمل والحياة العامة، من خلال توسيع مفهوم الخدمة الوطنية ليشمل كل موقع إنتاج، بحيث يصبح كل شاب “جنديًا” في مجاله. وهذه المقاربة تعيد الاعتبار للعمل والإتقان، وتؤكد أن بناء الوطن لا يقتصر على الميدان العسكري، بل يمتد إلى التعليم، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال، وكل ما يسهم في التنمية الشاملة.
ومن أبرز ما يميز هذا الطرح، أنه لا يحمّل الشباب المسؤولية دون أن يمنحهم الثقة. فالخطاب يؤكد بوضوح أن المنقذ هو أنت، في رسالة مباشرة تعزز الشعور بالقدرة والفاعلية، وتكسر ثقافة الاتكالية. هذه الثقة ليست خطابًا تحفيزيًا مجردًا، بل هي دعوة عملية لأن يكون الشباب شركاء حقيقيين في صناعة القرار، وفي رسم ملامح المستقبل.
كما يشدد الخطاب على أن التحدي الحقيقي أمام الشباب ليس في نقص الإمكانات، بل في الخوف من التغيير أو الاستسلام للجمود. ومن هنا، يُطرح التكيف مع التحولات كمهارة أساسية يجب أن يمتلكها الجيل الجديد، مع الحفاظ على منظومة القيم التي تشكل الهوية الوطنية. هذه المعادلة—بين الأصالة والتجدد—هي ما يمنح الشباب القدرة على التحرك بثقة في عالم متغير دون فقدان البوصلة.
أسلوبيًا، ينجح الخطاب في مخاطبة الشباب بلغة تجمع بين الصراحة والتحفيز، وبين الواقعية والطموح. فهو لا يقدّم وعودًا سهلة، بل يضعهم أمام حقيقة أن بناء الأوطان يتطلب جهدًا وتضحية، لكنه في الوقت ذاته يمنحهم الأمل ويؤكد قدرتهم على الإنجاز.
في المحصلة، يمكن قراءة هذا الخطاب بوصفه دعوة صريحة لإعادة تعريف دور الشباب الأردني: من فئة تنتظر الفرص إلى قوة تصنعها، ومن متلقٍ للتوجيه إلى شريك في القيادة، ومن عنصر في المجتمع إلى محرك أساسي فيه. إنها رؤية تضع الشباب في قلب المشروع الوطني، وتؤكد أن مستقبل الأردن لن يُبنى إلا بسواعدهم، ووعيهم، وإيمانهم بأنهم قادرون بل مسؤولون عن صناعة الغد
الرجاء الانتظار ...