الإذاعة الأردنية في ذمة "الرشاقة الإدارية" .. حين يُختصر الوطن في مديرية .. وتُصادر سيادة المايكروفون!

التاج الإخباري -

بقلم : د. محمد المناصير

الإذاعة الأردنية: حين تتحول "الأم" إلى طفلة باسم "مديرية".. بحجم قسم .. هل نسينا "هنا عمان"؟ .. في غمرة الاندفاع نحو "الرشاقة الإدارية" ومواكبة "التحول الرقمي"، أطلّ علينا نظام التنظيم الإداري الجديد لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون لعام 2026، حاملاً معه أرقاماً تتحدث عن تقليص المديريات وتخفيض الأقسام. ولكن خلف هذه الأرقام الباردة، تكمن غصة في قلوب الأردنيين؛ إذ تقرر دمج أخبار الإذاعة والتلفزيون والمنصات في مديرية واحدة، وكأننا نعلن رسمياً تذويب خصوصية "الإذاعة الأردنية" الأم، وتحويلها من مؤسسة سيادية وبوتقة للهوية الوطنية إلى مجرد "مرفق" تابع لمظلة أوسع.

الإذاعة الأردنية مدرسة في "الأداء الصوتي" واللغة العربية السليمة. بدمجها مع المنصات الرقمية (التي تتسم بالسرعة والاختصار وأحياناً اللغة العامية أو الركيكة)، نحن نخاطر بفقدان المرجعية اللغوية والأدائية التي ميزت "عمان" لعقود.

"هل غاب عن ذهن واضعي الهيكلية الجديدة صدى صوت الحسين وهو يفتتح هذا الصرح في جبل الحسين عام 1956م والاذاعة الكبرى في عام 1959م في أم الحيران؟ هل نسينا أن 'هنا عمان' لم تكن مجرد ترددات إذاعية، بل كانت 'صوتاً للحق وذوداً عن الحياض' كما أرادها الملك الباني؟ إن تقزيم الإذاعة اليوم إلى مديرية فرعية أقل من قسم البرامج أو الاخبار هو نكران لهذا الإرث الملكي، واغتيال لمنبر أراد له الحسين أن يكون منارة للأحرار، لا رقماً في سجلات الرشاقة الإدارية."

الإذاعة الأردنية، التي انطلقت من أتون حرب 1948م لتنطلق باسم الاذاعة الاردنية الهاشمية من القدس التي كانت تبث من رام الله ثم تفتتح في جبل الحسين عام 1956 قبل ان تفتح محطة الارسال الجديدة ومبنى اذاعة عمان الكبرى عام 1959 ومحطة الارسال في طريق ناعور .. فقد افتتحها جلالة الملك الحسين بن طلال مرتين مرة في جبل الحسين ومرة في ام الحيران وانطلق صوت الاردن "هنا عمان"، قبل مولد التلفزيون بسنين طويلة .

لم تكن الاذاعة الاردنية يوماً مجرد مبنى أو هيكل تنظيمي. فقد كانت هي "المدرسة" التي تخرج منها كبار الإعلاميين، وهي "الصوت الحر " الذي سمع منه الأردنيون أخبار انتصاراتهم وتحدياتهم. إن دمج أخبارها ومنصاتها في مديرية واحدة، وإن كان يبدو "عصرياً"، إلا أنه يهدد بتميع "صوت الإذاعة" الخاص، ذلك الصوت الرصين الذي يمتلك وقاراً لا يمتلكه التلفزيون ببريقه السريع، ولا المنصات بضجيجها الرقمي.

نحن مع التطور، ومع استحداث مديريات للتحول الرقمي والأمن السيبراني، فهذا استحقاق العصر وضرورة البقاء. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يتطلب التطور التقني طمس الهوية التاريخية؟ إن تخفيض عدد الأقسام والمديريات يشي بعقلية "محاسبية" بحتة، تنظر إلى المؤسسة كأعباء مالية يجب تقليصها، لا كأصول وطنية يجب استثمارها.

وهنا نستذكر "السردية الوطنية" التي يطرحها دوماً سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، والتي تقوم على مبدأ أن "الحداثة لا تكتمل إلا بالأصالة". ففي كل خطاب لسموه، يؤكد أن بناء "الأردن الجديد" لا يعني هدم ركائزه الأولى، بل البناء عليها بلسانٍ عصري. إن الإذاعة الأردنية هي "الحكاية الأولى" في سردية الدولة، وتحويلها اليوم من إرث وطني مستقل إلى مجرد مديرية محشورة في زوايا الهيكل التنظيمي، يتناقض تماماً مع رؤية سموه في الحفاظ على "الرمزية الأردنية" ومنح الشباب مؤسسات قوية بهويتها، لا مسخاً إدارياً باهتاً.

إن الإذاعة، بدلاً من أن تُعامل كمنصة سيادية تمثل صوت الاردن و “صوت الحسين" هذا الصوت الذي لم ينقطع، والذي تواصل في عهد الملك عبد الله الثاني أصبحت اليوم في خطر فقدان مرونتها وقدرتها على التأثير. إن الاستثمار في "الرقمنة" الذي يدعو إليه سمو ولي العهد هو وسيلة لتعزيز "الرسالة"، وليس ذريعة لإلغاء "الحامل التاريخي" لهذه الرسالة. فما قيمة التكنولوجيا إن نحن أفقدنا "صوت الأردن" ومعنى حمل رسالته واستقلاله؟

فبينما يتحدث النظام الجديد عن "مديرية للإبداع" و"مديرية للإنتاج تركز على الذكاء الاصطناعي"، نخشى أن نغرق في التكنولوجيا وننسى "الإنسان". فالإبداع الإذاعي ليس خوارزمية، بل هو روح متصلة بالأرض والناس. إن تذويب الإذاعة في الهيكل الجديد قد يؤدي إلى هجرة ما تبقى من كوادر إبداعية شعرت بأن "بيتهم الأول" قد فقد مكانته الرمزية لصالح "تكاملية" قد تكون وهمية على أرض الواقع.

إن "الرشاقة الإدارية" مطلوبة، ولكن ليس على حساب "الأم والمدرسة". الإذاعة الأردنية كانت وستبقى ضمير الوطن. ونحن هنا لا ننتقد الرغبة في التحديث، بل ننتقد "تنميط" العراقة وتحويلها إلى مجرد خانات في جدول إداري.

أعيدوا للإذاعة هيبتها، فصوت "هنا عمان" أكبر من أن يُختصر في مديرية.

أفهم تماماً حجم الألم حين نرى مؤسسات عشنا معها طويلاً، وشكلت وجداننا الوطني، تُعامل وكأنها مجرد "أرقام" في جدول بيانات أو هيكل إداري جامد. الإذاعة الأردنية ليست مجرد ترددات، بل هي "صوت الدولة" الذي رافقنا في الصباحات والمنعطفات التاريخية الكبرى حمل سلاح الكلمة دفاعا عن الاردن السلاح الذي كان أقوى من الطلقة .

الخبر الإذاعي يعتمد على الكلمة والصوت والخيال، بينما الخبر التلفزيوني يعتمد على الصورة. دمج الإدارتين في مديرية واحدة سيؤدي حتماً إلى طغيان "الصورة" على "الكلمة"، وسنصبح أمام إذاعة "تقرأ" أخبار التلفزيون، وهذا يفقد الإذاعة رصانتها وسرعتها وقدرتها على الوصول للمستمع في سيارته أو حقله بأسلوب يناسب أذنه لا عينه.

قد يكون الهدف من تقليص الأقسام والمديريات (من 70 إلى 50) هو توفير النفقات، ولكن في إعلام الدول، "القوة الناعمة" لا تُقاس بالميزانيات فقط. الإذاعة هي أرخص وسيلة إعلامية وأسرعها وصولاً في الأزمات، وتحويلها إلى مديرية فرعية يضعف من قدرتها على اتخاذ القرار السريع والمستقل.

إن إعادة الهيكلة التي لا تحترم التخصص، هي في الحقيقة 'تفكيك' لا 'تطوير'. إذا أردنا مواكبة الذكاء الاصطناعي والرقمنة، فلنفعل ذلك بتزويد الإذاعة بالأدوات، لا بتذويب كيانها. لا تجعلوا 'أم المؤسسات الإعلامية' مجرد قسم في ممر ضيق، فالإذاعة التي حملت صوت الحسين وصوت الأردن إلى الآفاق، تستحق أن تبقى 'رأساً' لا 'ذيلًا' في هيكل إداري صممه تقنيون غابت عنهم روح التاريخ." "هنا عمان".. صوت الدولة ليس "فائضاً إدارياً".

رسالة موجهة إلى رئاسة الوزراء.. وإلى مجلس إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.

نخاطبكم اليوم، والقلب يملؤه الوجع على مدرسة الأجيال، وصوت الأردن الرزين، "الإذاعة الأردنية"، التي يبدو أنها وقعت ضحية لسكين "الهيكلة" في نظام 2026 الجديد. إن تحويل هذه المؤسسة السيادية، التي سبقت في وجودها التلفزيون بعقد من الزمان، إلى مجرد مديرية فرعية وتذويب أخبارها ومنصاتها، هو قرار يتجاوز "التطوير الإداري" ليمس جوهر الهوية الإعلامية للدولة.

إن تخفيض الأقسام والمديريات بأسلوب حسابي جاف يتجاهل حقيقة أن الإذاعة الأردنية هي "الأم". فكيف تُدمج الأخبار الإذاعية مع التلفزيونية والرقمية في مديرية واحدة؟ إنكم بذلك تقتلون خصوصية "الكلمة المسموعة" التي لها فنونها، ورجالاتها، وجمهورها الذي لا يبحث عن بريق الشاشة بقدر ما يبحث عن وقار الصوت وصدق الكلمة.

نبارك التوجه نحو الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ولكن هل يقتضي التحديث أن نفقد الجذور؟ إن استقلال الإذاعة إدارياً وفنياً هو ما جعلها "مدرسة" تخرجت منها القامات الإعلامية العربية.

أما حشرها في زاوية ضيقة داخل الهيكل الجديد، فهو رسالة ضمنية بأن "عصر الإذاعة قد انتهى"، وهو خطأ استراتيجي؛ فالإذاعة عالمياً تشهد نهضة جديدة، فكيف نقتلها نحن في مهد عراقتها؟

ان دمج الأخبار والمنصات سيجعل من الإذاعة "صدى" باهتاً للتلفزيون، تقرأ ما يكتبه محررو الشاشة، وتفقد شخصيتها المستقلة التي كانت تلامس الفلاح في حقله، والجندي في خندقه، والمغترب الذي يبحث عن رنة صوت "عمان" الأصيلة.

إننا نطالبكم بإعادة النظر في هذا النظام، ليس من باب الوقوف ضد التغيير، بل من باب حماية "السيادة الإعلامية".

الرُّشاقة الإدارية لا تعني إضعاف المؤسسات التاريخية، والتوفير المالي لا يبرر الهدم المعنوي.

الإذاعة الأردنية كانت وسوف تبقى هي "صوت الدولة" الذي لا ينبغي أن يخفت أو يُهمّش تحت وطأة مسميات وظيفية جديدة.

إن الإذاعة التي تريدون اليوم اختصارها في "مديرية"، هي ذاتها التي خاضت معارك الشرف والكرامة في الميدان قبل الأثير. ألم يخبركم التاريخ أنها كانت "صوت العرب" البديل حين صمتت إذاعات القاهرة تحت قصف عدوان 1956؟ ألم تكن هي الرئة التي تنفس منها العرب الأمل في حرب 1948، والصوت الصامد الذي رافق جنودنا في خنادق القدس واللطرون وباب الواد عام 1967؟

إننا نتحدث عن "إذاعة الكرامة" عام 1968، التي بثت العزيمة في عروق الأردنيين وهم يصنعون أول نصر عربي، وعن "إذاعة النصر" في تشرين 1973. هي ذاتها التي كانت صوت الاعتدال والعقل والحكمة في أزمات 1990 و2003 و2012، حينما تلاطمت أمواج الفوضى في المنطقة، وبقيت "هنا عمان" هي الملاذ الآمن والكلمة الصادقة والبوصلة التي لا تخطئ.

يا أصحاب القرار.. إن الهياكل التنظيمية تُبنى وتُهدم، والمديريات تُدمج وتُفصل، أما تاريخ الشعوب ورموزها السيادية فلا تخضع لمقص "الرشاقة الإدارية". لا تقتلوا روح الإذاعة تحت وطأة الأرقام والذكاء الاصطناعي، فالذكاء الحقيقي هو الحفاظ على "صوت الدولة" الذي بنى وجداننا.

لقد كبرنا ومعنا صوتها، ونريد لأبنائنا أن يكبروا وهم يسمعون هيبة "هنا عمان" ككيان شامخ، لا كفرع ثانوي في ممر إداري طويل. ارفعوا أيديكم عن رمزيتنا.. واتركوا ذكرياتنا وتاريخنا يكبر معنا، فالإذاعة الأردنية كانت وسوف تبقى "الأم" التي لا تصغر، و"المدرسة" التي لا تُغلق أبوابها بقرار إداري.

كفى عبثاً بالهوية.. اتركوا لنا صوت الحسين، واتركوا لنا وقار الدولة الذي حملته الاذاعة لعقود .




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى