بين هيبة الماضي وفوضى الحاضر .. "غربلة الصحافة" مطلب عاجل

التاج الإخباري -

بقلم: وفاء صبيح.

قبل أكثر من عشرين عاماً بدأت عملي في مهنة الصحافة، حيث تم تعييني في صحيفة الدستور التي كان يرأس تحريرها آنذاك الأستاذ نبيل الشريف – رحمه الله، وأتذكر جيداً حجم التهاني والتبريكات التي تلقيتها في تلك الفترة بمناسبة انضمامي إلى الصحيفة.

وبحكم أنني كنت حديثة التخرج وأبدأ خطواتي الأولى في العمل الصحفي، تساءلت حينها عن سبب هذه "الهالة" التي تحيط بالمهنة، ولماذا تحظى بكل هذا الاهتمام، وكأن من يعمل فيها يتسلم منصباً حكومياً أو وظيفة رسمية في إحدى الوزارات أو الدوائر الحكومية ؟!

لكنني أدركت بعد فترة قصيرة أن الصحافة التي تُعرف بـ "السلطة الرابعة" و"صاحبة الجلالة"، مهنة لها خصوصية ومكانة رفيعة في المجتمع، كان يكفي أن أقول إنني صحفية حتى أرى الاحترام والتقدير في عيون من حولي، سواء من أبناء المجتمع الذين يسعون لإيصال قضاياهم عبر الإعلام، أو خلال التواصل واللقاءات مع الوزراء والمسؤولين.

قبل عقدين من الزمن، تتلمذنا على أيدي أساتذة كبار وأسماء لامعة في عالم الصحافة، كنا نكتب الخبر على الورق بالقلم، وندقق الأخطاء الإملائية بالطريقة ذاتها قبل طباعته على أجهزة الكمبيوتر .. أما "مطبخ التحرير" في تلك الفترة أشبه بـ "خلية نحل" تعمل بنشاط وحيوية؛ فالخبر العاجل كان بالفعل خبراً عاجلاً، والخبر الحصري كان يحظى بقيمته ومكانته الخاصة داخل غرفة الأخبار.

في تلك الفترة أيضا لم يكن يتجاوز عدد المواقع الإلكترونية أصابع اليد الواحدة، لكنها كانت تعمل أيضاً بمهنية وشفافية إلى جانب الصحف الورقية.

لكن المشهد الإعلامي تغيّر كثيراً في السنوات الأخيرة، حيث اختلط الحابل بالنابل، وظهرت عشرات بل مئات المواقع والصفحات الإخبارية، وبين الماضي والحاضر .. تحولت الصحافة – للأسف - من "مهنة المتاعب"  إلى مهنة من لا مهنة له.

ومع التطور الرقمي المتسارع وظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، بات كل من يمتلك هاتفاً محمولاً مزوداً بكاميرا قادراً على تصوير الأحداث ونشرها وتغيير محتواها وفق مزاجه الشخصي، كما أصبح نشر الأخبار والمعلومات وتداول الصور ومقاطع الفيديو متاحاً بكبسة زر، مدعوماً بتحليلات دون التأكد من مصداقيتها، ولا تمت للحقيقة بصلة.

كما ظهرت صفحات ومواقع تدّعي أنها إخبارية، لكن مهمتها نشر أخبار كاذبة وتداول معلومات مغلوطة، بل ظهرت أيضاً أقلام أقل ما يمكن وصفها به أنها "مأجورة" مهمتها الابتزاز تارة والتغريد خارج السرب تارة أخرى .. لذا باتت "غربلة الصحافة" من الدخلاء حاجة ملحة ومطلباً عاجلاً لنا جميعاً.

وفي ظل هذا الزحام والتهافت على الكتابة ونشر الأخبار، لا بد من الإشارة إلى الجهود الدؤوبة التي تبذلها هيئة الإعلام ونقابة الصحفيين ووحدة الجرائم الإلكترونية لضبط المشهد الإعلامي وتنظيم العمل الصحفي، حيث جرى خلال الفترة الماضية اتخاذُ إجراءات بحق عشرات المخالفين.

لكن، رغم هذه الجهود، تستحق الصحافة منا جميعاً مزيداً من العمل والتكاتف لحمايتها من أشباه الصحفيين ومنتحلي المهنة، لتستعيد الكلمة رصانتها ويستعيد القلم هيبته.

 

 




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى