حداد يكتب: من عصبة الأمم إلى السيادة الرقمية الإقطاعية: ملامح النظام العالمي في مرحلة ما بعد الأمم المتحدة

التاج الإخباري -

بقلم خبير الاستخدام المزدوج للأمن الحيوي والأسلحة البيولوجية الدكتور حازم اسكندر حداد

تاريخياً، صناع السياسة النقدية العالمية هم من شكلوا عصبة الأمم والأمم المتحدة، وشجعوا على قيام الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ ولهذا لم تسقط المنظمات الدولية الكبرى مثل عصبة الأمم عام 1920 إلا لتفسح المجال لكيانات تعكس موازين القوى الجديدة. فعصبة الأمم ولدت من رماد الحرب العالمية الأولى وفشلت لأنها لم تملك أنياباً عسكرية، فجاءت الأمم المتحدة عام 1945 لتصحح هذا الخلل عبر مجلس الأمن.
اليوم، ونحن في عام 2026، يعاود صناع السياسة النقدية العالمية إعادة المشهد للمرة الثالثة على شكل شركات تقنية كبرى، ليتصاعد الحديث عن مصطلح "الدمار من أجل الإعمار" وما بعد الأمم المتحدة، أو ما يسمى "ما بعد حقبة الفيتو"، وتغذية استخدام أسلحة الدمار الشامل النووي والكيميائي والبيولوجي ما بين الدول، وأهمها دول التسعة النووية؛ فإذا استُخدم السلاح النووي من إحداها سينهار نظام الأمم المتحدة الحالي.
وهو نتيجة الشلل الذي أصاب مجلس الأمن وتصاعد القوى المتعددة الأقطاب، وما قد يحل محل النظام الحالي هو التفتت إلى كتل إقليمية كونفدرالية كبرى وليس ولادة منظمة عالمية واحدة؛ بل تحول القوة إلى منظمات إقليمية قوية تملأ الفراغ الذي تركته الأمم المتحدة، مثل "بريكس" الذي قد يتحول من تكتل اقتصادي إلى أمم متحدة موازية تمثل دول الجنوب العالمي. وفي الجهة المقابلة، دول شمال العالم متمثلة بالاتحاد الأوروبي والناتو (التكامل الدفاعي والسياسي) ليصبح كياناً شبه دولي يتجاوز التنسيق التقليدي، وكياناً أمنياً كمنظمة شنغهاي للتعاون على شكل مظلة أمنية لآسيا وأوراسيا.
وتترافق هذه التحولات مع تعددية الأطراف المصغرة بدلاً من المنظمات الضخمة التي تضم 193 دولة وتتسم ببطء القرار، كظهور مجموعات المصالح المحددة مثل التحالفات التكنولوجية من مجموعة دول تقود الذكاء الاصطناعي (مثل مجموعة السبع مع قوى تكنولوجية صاعدة) لسن قوانين العالم الرقمي، أو أندية المناخ لتفرض ضرائب كربونية وتجارة خضراء التي سيُقر بمنتصف عام 2028 بين أعضائها فقط، مما يخلق نظاماً عالمياً قائماً على المعايير البيئية بدلاً من الحدود السياسية، لتشكل ما يعرف بـ "عصبة الديمقراطيات" مقابل "كتلة الاستقرار" لفرض ضريبة ما بعد الحرب العالمية الثالثة وانهيار انظمة الضمان الاجتماعي عالميا.
وهنا ينقسم العالم إلى منظمتين كبيرتين: الأولى منظمة الدول الديمقراطية بقيادة الغرب واليابان وأستراليا، والثانية منظمة الدول السيادية بقيادة الصين وروسيا، وتركز على الاستقرار الاقتصادي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وبعدها ظهور النظام الرقمي العالمي وسلطة الشركات العابرة للحدود وولادة سياسة نقدية حديثة، أي أن ما بعد الأمم المتحدة قد لا يكون من صنع الدول أصلاً، بل من نشوء حكومة خوارزمية تدير التجارة والبيانات العالمية، حيث تصبح الشركات التقنية الكبرى أطرافاً في المعاهدات الدولية لأنها تملك سيادة فعلية على الفضاء الرقمي والعملات المشفرة، وهو ما قد يؤدي لنوع من الإقطاع الرقمي الجديد.
وتحول الأمم المتحدة إلى "أمة واحدة" بعد عام 2030 تدير الشؤون التقنية والإنسانية مثل الصحة والغذاء، ولن يقتصر دورها على منع الحروب التقليدية، بل سيمتد إلى إدارة الأزمات الوجودية مثل التغير المناخي، مخاطر الذكاء الاصطناعي، والأوبئة المخلقة. وستنتقل القوة من الدول المنفردة إلى شبكات هجينة تجمع بين الدول، الشركات التقنية العملاقة، والمنظمات الإقليمية. سيكون نظاماً أكثر تفتتاً ولكنه أكثر تخصصاً، حيث تدار القضايا التقنية والبيئية عبر اتفاقيات عابرة للحدود بعيداً عن صراعات الحدود السياسية الكلاسيكية، ولن يعود قادراً على الإعمار أو الازدهار بين تلك التحالفات لأن أدوات السيطرة بُنيت على "الدمار من أجل الإعمار" او ما اسمية فلسفة الحرب العالمية الرابعة فعلى شعوب العالم التعفف و الصبر و ذكر الله. فالحروب لم تعد مجرد مواجهات عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى حروب سيبرانية، نفسية ، صحية، واقتصادية تستهدف وعي الشعوب واستقرارها الداخلي فعلى الحكومات و الدول الحذر بتخاذ قراراتها.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى