الشملان يكتب: الشرق الأوسط بين حافة الانفجار وتوازن الردع

بقلم: ماجد الشملان

يدخل الشرق الأوسط عامه الثالث من التصعيد المتدرّج بين إيران وإسرائيل، في مشهد إقليمي يتسم بسيولة استراتيجية غير مسبوقة. لم تعد المواجهة تقتصر على حرب ظلّ تدور في الكواليس، بل أصبحت اشتباكًا مباشرًا محدودًا، متعدد الساحات، ومفتوحًا على احتمالات يصعب التنبؤ بمآلاتها.

تحوّل في طبيعة الصراع

لسنوات طويلة، اعتمد الطرفان سياسة “الضرب تحت العتبة”: عمليات سيبرانية، استهدافات دقيقة في ساحات خارجية، ورسائل ردع غير معلنة. إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت انتقالًا نسبيًا نحو المواجهة العلنية عبر صواريخ وطائرات مسيّرة، في إطار تبادل محسوب للضربات.
ورغم حدة الخطاب وارتفاع منسوب المخاطر، ما يزال الطرفان يتجنبان الانزلاق إلى حرب شاملة.

فإيران تدرك كلفة المواجهة المباشرة الواسعة، سواء اقتصاديًا أو عسكريًا، وتسعى إلى تثبيت معادلة ردع دون فتح جبهة استنزاف طويلة. في المقابل، تركز إسرائيل على منع تموضع عسكري إيراني متقدم في محيطها، مع الحفاظ على تفوقها النوعي وقدرتها على توجيه ضربات سريعة ومؤثرة.

جبهات مشتعلة وممرات حساسة

المواجهة لم تعد ثنائية خالصة، بل باتت شبكة معقدة من الساحات المتداخلة:
* في لبنان، يشكل حزب الله عنصرًا محوريًا في معادلة الردع، وسط تبادل شبه يومي للنيران واحتمال دائم لانفجار واسع.
* في غزة، تستمر تداعيات الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في التأثير على الحسابات الإقليمية، سياسيًا وعسكريًا.
* في سوريا، تتواصل الضربات التي تستهدف مواقع مرتبطة بإيران، ضمن استراتيجية منع نقل أو تطوير قدرات عسكرية نوعية.
* في البحر الأحمر، أدت الهجمات على الملاحة إلى اضطرابات في التجارة الدولية وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، ما يضيف بُعدًا اقتصاديًا عالميًا للأزمة.
هذا التشابك يجعل أي خطأ في الحسابات أو ضربة غير محسوبة شرارة محتملة لتوسيع رقعة الصراع.

حسابات الردع وكوابح الانفجار

رغم كل ذلك، لا تزال هناك عوامل تكبح الانزلاق إلى حرب شاملة. الكلفة الاقتصادية الهائلة، خطر شلل الممرات البحرية، واحتمال اتساع المواجهة لتشمل أطرافًا دولية، كلها عناصر تدفع نحو إبقاء الصراع ضمن سقف مضبوط. كما أن توازن الردع المتبادل — خصوصًا في مجال الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة — يفرض على الطرفين حسابات دقيقة قبل أي خطوة تصعيدية.

الأردن في قلب العاصفة

في خضم هذا المشهد المعقد، يقف الأردن في موقع بالغ الحساسية. فالمملكة تتوسط جغرافيًا ساحات التوتر في فلسطين وسوريا والعراق، وترتبط باتفاقية سلام مع إسرائيل، وفي الوقت ذاته تحافظ على شبكة علاقات عربية وإقليمية متوازنة.

تتمثل أبرز ملامح الموقف الأردني في المرحلة الراهنة في:

أولًا: أولوية الأمن الوطني
عمّان حريصة على حماية مجالها الجوي وحدودها من أي امتداد للصراع، مع تأكيدها أنها لن تسمح بأن تكون أراضيها ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ثانيًا: إدارة التوازنات الدقيقة
الأردن يتحرك ضمن معادلة معقدة تجمع بين التزاماته الدولية، وحساسية الشارع تجاه القضية الفلسطينية، وضرورة الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

ثالثًا: التحدي الاقتصادي
أي تصعيد ينعكس مباشرة على الاقتصاد الأردني، سواء عبر أسعار الطاقة أو تراجع السياحة أو اضطراب التجارة الإقليمية.

رابعًا: الدور الدبلوماسي 
بفضل علاقاته المتوازنة، يمتلك الأردن هامشًا للعب دور في جهود التهدئة أو نقل الرسائل غير المباشرة، خاصة في ظل حاجة الأطراف إلى قنوات اتصال موثوقة.

بين الاستمرار والانفجار
السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب هو استمرار المواجهة ضمن سقف مضبوط: ضربات محدودة، رسائل ردع، وتفادي الحرب الشاملة. لكن هذا “الاستقرار الهش” يبقى رهينة لأي خطأ
حسابي أو تطور ميداني كبير.

في المحصلة، يقف الشرق الأوسط على حافة دقيقة بين الردع والانفجار. المواجهة بين إيران وإسرائيل أعادت رسم خرائط الاصطفاف الإقليمي، وأدخلت المنطقة في مرحلة عنوانها عدم اليقين.
أما الأردن، فيحاول وسط هذه العواصف أن يتمسك بثابتين أساسيين: حماية استقراره الداخلي، والسعي إلى منع اشتعال حريق إقليمي قد لا ينجو أحد من تداعياته.

حفظ الله الأردن وقائده وولي عهده الامين وجيشه وشعبه العظيم




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى