حدادين تكتب : ليس صومنا كما تظنون…

التاج الإخباري -

بقلم : رانيا حدادين

بالأمس، ونحن نجلس في الصالون ونتحدث عن الصوم الأربعيني، انهالت الأسئلة، وتسللت بعض التعليقات بين الكلمات…
«نيالكم… صيامكم سهل! على الأقل بتاكلوا وبتشربوا مي.»

ابتسمتُ، لكن داخلي كان يقول: لو عرفتم ما هو الصوم عندنا فعلًا، لما قلتم إنه سهل.

الصوم المسيحي ليس مجرد امتناع عن نوع معيّن من الطعام. هو زمن يمتد خمسين يومًا — أربعون يومًا تسبق أسبوع الآلام، ثم أسبوع الآلام بما فيه سبت النور، مع أيام تعويضية عن الآحاد. ويبدأ عند الكنائس الكاثوليكية واللاتينية في يوم أربعاء الرماد، حيث يُذكَّر الإنسان بضعفه، وبحاجته إلى التوبة والعودة إلى الله.

كثيرون يظنون أن الأمر يقتصر على ترك اللحوم ومشتقاتها. لكن في تقليدنا هناك انقطاع تام من الساعة الثانية عشرة ليلًا حتى الثانية عشرة ظهرًا — لا طعام ولا شراب — لمن يستطيع. أما الصوم النباتي فهو رخصة لمن لا يقدر على الانقطاع. المسألة ليست قائمة أطعمة، بل تدريب قلب.

الصوم عندنا صلاة أيضًا. التزام بحضور القداسات، ترديد المزامير، تقديم توبة حقيقية، اعتراف، وتناول من الأسرار المقدسة. هو زمن عفّة وطهارة، زمن نضبط فيه شهواتنا وكلماتنا وأفكارنا قبل أن نضبط أطباقنا. هو صوم العين عن ما لا يرضي الله، وصوم اللسان عن القسوة، وصوم القلب عن الكراهية.

وخلال أسبوع الآلام تتكثف الصلوات والطقوس، لكننا لا نراها عبئًا. الصلاة ليست ثقلًا نتحمله، بل راحة نلجأ إليها. هي متعة الروح وسكينتها، وهي المساحة التي نهدأ فيها وسط ضجيج العالم.

الصوم ليس استعراضًا، ولا منافسة في التحمل. السيد المسيح علّمنا بوضوح:

"«وَمَتَى صُمْتُمْ فَلَا تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ."

فالصوم الحقيقي لا يُرى على الوجوه بقدر ما يُلمس في تغيّر القلب.

لهذا قد لا يشعر أحد بالمسيحي الصائم. لأنه لا يصوم ليُقال عنه صائم، بل ليقترب أكثر، ليهذّب ذاته، ليعود إلى الله بقلبٍ أنقى.

فلا تحسدونا على “سهولة” صومنا…
تعالوا وافهموا عمقه أولًا.
فهو ليس حرمانًا من طعام، بل امتلا
بحضور ،لهذا لا احد يشعر بالمسيحي الصائم .
كل عام وانتم بخير



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى